فمادّة كاد يكيد كيدا تدور حول اتّخاذ أعمال وتدبيرات توقع المقصودين بالكيد بما يكرهون ، حتّى الهلاك .
ويكون الكيد في الشّرّ ، مثل كيد الكافرين ضدّ الحقّ وضدّ الّذين آمنوا به . ويكون في الخير ، مثل كيد المؤمنين لإحباط مكايد الكافرين ، وردّ سهامهم إلى نحورهم .
ومن الكيد في الخير كيد الرّبّ جلّ جلاله ، لنصرة رسوله ، ونصرة المؤمنين ، ونصرة دينه ، وإعلاء كلمته في الأرض .
إنّ الكافرين يكيدون في الشّرّ ، لأنّهم يعملون بمكايدهم لإدحاض الحقّ ، وإقامة الباطل في الأرض .
وإنّ المؤمنين يكيدون في الخير ، لأنّهم يعملون بمكايدهم الشريفة ، لإحقاق الحقّ ونصرته ، وإبطال الباطل وإزهاقه .
ودلّ فعل المضارع
يَكِيدُونَ
على أنّ قادة مشركي مكّة إبّان نزول السّورة ، كانوا يعملون بحركة تتابعيّة في تدبير المكايد العظيمة ضدّ الرّسول ودعوته ، ففعل المضارع يدلّ على التجدّد والعمل المتتابع ، وجاء تأكيده بالمصدر الّذي هو مفعول مطلق ، فقال تعالى :
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً
( 15 ) للدّلالة على عظم الكيد الّذي يكيدونه ، أي : يكيدون كيدا كثيرا وعظيما وذا خطر كبير .
وأبان اللّه عزّ وجلّ أنّ هذا الطّور الّذي وصل إليه قادة أهل الكفر والشّرك في مكّة ، يحبطه اللّه بكيد متتابع يجعله مردودا على مدبّريه ، فقال تبارك وتعالى :
*
وَأَكِيدُ كَيْداً
( 16 ) :
ومعلوم بالبداهة أنّ كيد اللّه غالب ومحبط كيد الكافرين ، أي : وأكيد على سبيل التّتابع كيدا أحبط به وأفسد كيد الكافرين ، أعداء رسولي والّذين آمنوا به واتبعوه ، وأعداء ديني الذي حمّلت رسولي والذي آمنوا به أعباء تبليغه للناس ، فأنا أتابع كلّ حركة كيد شديد منهم بكيد شديد غالب له .