تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
الوجه الأوّل : أنّ الخالق الذي قدر على خلق الإنسان المكتمل في أحسن تقويم ، من ماء دافق يخرج من بين الصّلب والترائب ، قادر على إعادته إلى الحياة بعد إماتته وإفناء جسده ، كيف يشاء وعلى ما يشاء ، وفي أيّ زمن يشاء ، وفي أيّ مكان يشاء ، فخريطة بنائه معلومة وموجودة لديه ، ونواته محفوظة ، وفيها كلّ صفاته الجسدية والنفسيّة ، وفيها سجلّ حياته منذ نشأته حتّى مماته . إنّ هذه الحجّة حجّة برهانيّة دافعة لكلّ توهّمات السّفهاء ، ناقصي العقول ، الّذين تغلبهم أهواؤهم وشهواتهم ، فتطغى على مراكز التّفكير السليم لديهم ، وعلى موازين العقل الصحيح الذي جعله اللّه في فطرتهم ، فتجعلهم يستبعدون الإعادة إلى الحياة بعد الموت والفناء ، على الرّغم من مشاهداتهم المتكرّرات لخلق الإنسان من ماء دافق . الوجه الثاني : أنّ من أخبر بحقيقة علميّة ، وهي هنا كون الماء الدافق يخرج من بين الصّلب والترائب ، على ما سبق تحليله ، وهذه الحقيقة لم تعرف للباحثين العلميّين إلّا بعد نزول الخبر بها بما يزيد على ثلاثة عشر قرنا ، لا بدّ أن يكون صادقا حتما في كلّ ما أخبر به من أخبار عمّا مضى وعمّا سيأتي ، ومن الأخبار خبر البعث إلى الحياة بعد الموت والفناء ، وأخبار يوم الدّين المعدّ للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، وما في الدار الآخرة من مراتب ودرجات جنّات النّعيم ، ومنازل ودركات الجحيم . إنّه جلّ جلاله واضع خطّة التكوين ، ومقدّر مقادير كلّ شيء ، والقادر على خلق ما يشاء ، وهو العليم الحكيم ، وهو المخبر جلّ جلاله بما قدّره وقضاه ، وسوف يخلقه في الأجل المحدّد له . وهذا الوجه يفهم ضمنا وباللّزوم الذهني ، من الرّبط بين الخبر ، والأمر بالنظر في قضيّة أخرى خبريّة هي من دقائق الإعجاز العلميّ في