والمناسبة هنا هي تشبيه العلم الرّبّاني الذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض ، بالسّماء المحيطة بالأرض ، وتشبيه الرّقباء من الملائكة بالنّجوم الثواقب .
الأسلوب القرآني في تجزئة العناصر الفكريّة للموضوع الواحد وتوزيعها في دروس التنزيل :
المتدبّر المتأنّي المتتبّع للموضوعات القرآنيّة يلاحظ أنّ الموضوع القرآني الواحد ، ذا العناصر والأجزاء المتعدّدة ، لا يأتي القرآن بكلّ عناصره وأجزائه في درس واحد من دروس التنزيل ، بل يلاحظ أنّ هذه العناصر والأجزاء المتعدّدة ، مفصّلة وموزعة في دروس متعدّدة ، ضمن عدد من سور القرآن غالبا ، وتأتي على مراحل في نجوم التنزيل ، وما يأتي من هذه العناصر في درس من دروس التنزيل يأتي مقترنا ببعض الحجج الّتي من شأنها أن تقنع طالب الحق ، إذا كانت القضيّة ممّا يمكن إثباته عن طريق العقل أو شواهد الحسّ .
أمّا إذا كانت القضيّة من الأمور الغيبيّة الخبريّة الّتي ليس لها حجج عقليّة مباشرة ، فيأتي الإخبار بها مقترنا بالمؤكّدات الّتي تعارف الناس على تأكيد أخبارهم بها ، وأعلاها القسم ، وأحكم الأقسام ما له صلة بكمال المقسم صاحب الخبر ، وله مناسبة تصله بالمقسم عليه ، كالقسم الذي تدبّرناه في هذا الدرس من دروس سورة ( الطارق ) .
وهذا الأسلوب القرآنيّ الذي نلاحظه من تتبّع دروس التنزيل وفق ترتيب النّزول ، يعلّمنا منهجا تربويّا وتعليميّا ملائما للطبائع البشريّة . ويدلّنا ضمنا على أنّه هو المنهج الأحكم والأقوم ، إذ اختاره اللّه لنفسه في تعليمه عناصر دينه الذي اصطفاه للناس ، وفي تربيته لمتلقّي هذه الدّروس ، ومعالجته أصنافهم المختلفة ، بالإقناع الذي يتتبّع الأجزاء والعناصر الفكريّة ،