تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
لكلّ ما يطلب منه حفظه أفيعجز الرّبّ العظيم الجليل الّذي خلق السّماء العظيمة ، وخلق هذه النجوم المدهشة بتكوينها وأعدادها وإتقان مسيراتها وحركاتها في أفلاكها ، عن أن يجعل على كلّ نفس حافظا مراقبا ، يسجّل عليها كلّ ما يحدث فيها وكلّ ما يصدر عنها ؟ ! تعالى اللّه عن أن يكون عاجزا علوّا كبيرا ، والشّاكّون بمثل هذا الخبر ما قدروا اللّه حقّ قدره . والمناسبة بين المقسم به والمقسم عليه هي التشبيه ، فالسّماء محيطة بالأرض ، والنجوم فيها كثيرة نافذة عيونها من ثقوب ستارة اللّيل إلى الأرض ، وكلّ نفس محاطة بالعلم الرّبّاني الّذي لا يخفى عليه منها خافية ، وعليها أيضا مراقب ثاقب لحجبها ، يراقبها في خلواتها ، حتّى داخل سرائرها من نيات ومكنونات مضمرات في صدورها ، والّتي سوف تكشف يوم الحساب في محكمة العدل الرّبّانيّة . ودلّت عبارة
عَلَيْها
على أنّ المراد بكلمة
حافِظٌ
مراقب أعمال الإنسان ومسجّلها ، إعدادا للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، إذ هي القضيّة الّتي جيء بالقسم لتأكيدها ، وإن كانت كلمة
حافِظٌ
صالحة للدّلالة على معنى حفظ الإنسان من المخاطر والمؤذيات ، إلّا ما فيه من اللّه عزّ وجلّ قضاء وقدر ، غير أنّ هذا المعنى يناسبه عبارة : « لها » لا عبارة :
عَلَيْها .
إِنْ كُلُّ نَفْسٍ :
أي : ما كلّ نفس « إن » حرف نفي ، مثل « ما » .
لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ :
لَمَّا
أداة استثناء بمعنى « إلّا » . والنفي والاستثناء يفيد الحصر والقصر ، وهو من قصر الموصوف على الصفة ، وهو هنا قصر إضافيّ ، لأنّ المقصودين بالخطاب منكر ووجود مراقبة دائمة لأعمال الناس الظاهرة والباطنة ، أو الشّاكّون فيها ، فجاء القصر لردّ توهّمهم .