وقد دلّ استعمال فعل
كانَ
دون فعل « يكون » للدلالة على وجوب سبق وجود الجماعة المؤمنة ، التي يتواصى أفرادها بالصّبر والمرحمة ، وهذا المقتحم لعقبة نفسه واحد منهم .
فمع إرشاد الآية إلى لزوم تتبّع الخطوات الفكريّة للتكاليف الدينيّة ، الّتي يحتاج الالتزام بتعليماتها إلى اقتحام عقبة النفس ، وهذه الخطوات توصل أخيرا وبصورة متلاخية نسبيّا إلى الجذور ، فإنّ الآية تدلّ بإرشادها هذا على أنّ اقتحام عقبة النفس ، بأداء التكاليف الدينيّة العمليّة ، والإحجام عن نجد الشرّ بالكفّ عن المحرّمات الدينيّة ، لا بدّ أن يكونا مسبوقين بقيام جماعة مؤمنة ، تتلاقى على وحدة إيمانيّة ، وتتواصى بالصّبر ، وتتواصى بالمرحمة .
* أمّا الإيمان فهو القاعدة العظمى للدّين ، وكلّ عمل صالح من غير إيمان ، لا أجر له عند اللّه يوم الدّين ، وثوابه قاصر على منافع ينالها العامل في الحياة الدّنيا .
* وأمّا التّواصي بالصّبر فهو ركن عظيم من أركان تماسك الجماعة المؤمنة ، لأنّ الصّبر هو طاقة التحمّل الّتي يحتاج إليها كلّ إنسان دواما في عمليّتي الاقتحام والإحجام ، وتحتاج إليها الجماعة المؤمنة لدى بنائها في تحمّل أذى أعدائها ، واضطهاد طغاة الكفرة ذوي العزّة والجبروت .
* وأمّا التواصي بالمرحمة ( - بالرّحمة ) فهو ركن عظيم آخر من أركان تماسك الجماعة المؤمنة ، لأنّ التراحم بين المؤمنين أعظم وشيجة تربط بين أفرادهم ، ولأنّ الرحمة أعظم شحنة قوّة دافعة لفعل المعروف ، وإقامة المجتمع الإسلاميّ المتعاون السعيد ، الذي يكون بمثابة الجسد الواحد ، الّذي إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسّهر .
وسبق في سورة ( العصر / 103 مصحف / 13 نزول ) بيان ركن ثالث