تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
وتخصيص التوجيه لإطعام ذوي المسغبة من اليتامى الأقربين ، والفقراء الحقيقيّين ابتغاء مرضاة اللّه تبارك وتعالى ، في يوم ذي مجاعة عامّة ، يلاحظ فيه أمران : الأمر الأول : أنّ الأنفس في أيّام المجاعات تكون أكثر شحّا بالطعام من سائر الأيّام ، لحاجة المطعم إليه ، أو شدّة تعلّق نفسه به ، خوف حاجته المستقبليّة له ، إذ هو قوت البقاء في الحياة ، فتعظم بذلك عقبة النفس التي تتطلّب اقتحاما ، فيكون الإطعام أدلّ على ابتغاء مرضاة اللّه جلّ جلاله ، وأدلّ على قوّة تأثير الرحمة في قلب المطعم على سلوكه . الأمر الثاني : أنّ حاجة البؤساء في أيّام المجاعات أشدّ وأقسى ألما على نفوسهم ، إذ إنّهم قد لا يجدون بقايا فضلات الأطعمة الّتي يرمي بها النّاس عادة ، ولو كانوا بخلاء لا يبذلون لذوي الحاجات . فكلّ إنسان يكون شديد الحرص على ما لديه من طعام ، حتّى إنّه يدّخر فضلات طعامه ، وكسر الخبز الّتي تزيد عن حاجته من وجباته اليوميّة . ومعظم النّاس يتسارعون في أيّام المجاعات إلى ادّخار ما يزيد على حاجاتهم كثيرا إلى عدّة شهور ، فيحدثون بادّخاراتهم الضائقة في أرزاق الناس اليومية ، الّتي تكفيهم لولا الادّخارات الّتي لا ضرورة لها ، والدافع لحيازتها خوف حدوث النقص في المستقبل . والمقصود بالإطعام بدل الطعام ابتغاء وجه اللّه ونيل رضوانه ، سواء أكان على سبيل الزكاة الواجبة ، أم على سبيل البرّ ، أم على سبيل الإحسان . وجاء التوجيه للاعتناء بإطعام اليتيم ذي المقربة ، لأنّ هذا اليتيم أحقّ من غيره ، إذ اجتمع فيه سببان مرجّحان :