تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
هذا العموم . وبعده جاء الحديث عنه بقوله تعالى :
أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ( 5 ) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً
( 6 ) والمراد خصوص الكفرة من أهل العزّة والجبروت في الأرض ، المغرورون بقواتهم الغالبة لمنافسيهم ممّن حولهم من الناس ، بدليل أنّ الواقع يكشف أن من يتوهّم هذا التوهّم فريق من أهل العزّة والجبروت في الأرض ، وهؤلاء قلّة ، لكن لو ملك كثير من الضعفاء مثل هذه القوة لسيطر عليهم هذا التوهّم . وبعد هذا جاء الحديث عن الإنسان أيضا بقوله تعالى :
أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ( 7 ) أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ ( 9 ) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
( 10 ) والمراد خصوص الكفرة المادّيّين الحسّيّين ، الّذين ينكرون وجود غير ما يرون في مدى رؤيتهم ، مع أنّ الوسائل العلميّة تكشف لهم حينا فحينا وجود أشياء كانت خفيّة عليهم ، وهي ضمن مدى رؤيتهم المباشرة ، أو مع استعمال ما كانوا يملكون من مكبّرات ومجاهر . فما الحكمة من هذا الإجراء ؟ أقول : إنّه أسلوب تربويّ يستعمله العظماء ، وكبراء الأقوام ، إذ يخاطبون جميع الأفراد خطابا عامّا بقضايا تشملهم جميعا ، ثم يوجّهون التلويم لغير معيّن فيهم بأسلوب عامّ أيضا ، والمقصودون الموجّه لهم الكلام هم الفريق الّذين يستحقّون التّلويم ، لا جميع الأفراد . ونظيره : أن يقول الأب لأولاده وقد جمعهم لتأديبهم : أنتم جميعا أولادي ، ربّيت كلّ واحد منكم بجهدي ، وعاطفتي ، وحناني ، ومالي ، وكدّي ، وسهري . أيحسب ولدي الذي هو فلذة كبدي أنّي أكرهه ، وأنّي لست حريصا على سعادته ، وأنّي لا أوثر سعادته على سعادتي ؟ ! !
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 197 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني