ولهذا كان كلّ جزء من أجزاء ميادين وساحات امتحانه في الحياة الدّنيا ، المادّيّة والمعنويّة ، الجسديّة والنفسيّة ، ذا طريقين نجدين واضحين جليّين ، والسّالك في أيّ واحد منهما لا يتحقّق له العبور إلّا بمكابدة وكدح .
إنّ كون الإنسان مخلوقا في كبد ، وهو ما أبانه الدرس الأوّل من دروس السورة بصورة مؤكّدة جدّا ، يدلّ ذوي الألباب على أنّه مخلوق ممتحن في ظروف هذه الحياة الدّنيا ، وهذه القضيّة ذات لوازم فكريّة كثيرة .
* فمن لوازمها أنّه لا بدّ أن يكون مزوّدا بكلّ الخصائص الّتي تؤهّله لأن يكون مخلوقا ممتحنا ، وقد جاء هذا مفصّلا في عدد من سور القرآن المجيد .
* ومن لوازمها أن يبيّن له ما يطلب منه في رحلة امتحانه أن يعمله ، متحملّا مكابدة عمله ، وما يطلب منه في رحلة امتحانه أن يتركه أو يجتنبه ، متحمّلا مكابدة تركه أو اجتنابه .
وقد جاء التنبيه على هذا في قول اللّه عزّ وجلّ :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
( 10 ) .
أي : أبنّا له ما يطلب منه أن يعمله ، وما يطلب منه أن يتركه أو يجتنبه ، بالكتب المنزّلة ، وببلاغات المرسلين ، وببصيرة العقل ، وبالحسّ الوجدانيّ ، وهو واعظ اللّه في قلب كلّ مؤمن .
الحديث عن نوع الإنسان في هذه السّورة مع إرادة العموم أو إرادة الخصوص :
جاء الحديث عن نوع الإنسان في هذه السورة بقول اللّه عزّ وجلّ :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
( 4 ) والمراد كلّ فرد من أفراده ، إذ الواقع يؤيّد