تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
نابت الصّفة عن الموصوف بها ، فاستغني بعبارة « النّجدين » . وهذا الوصف يشعر بأنّ طريق الحقّ والخير واضح جليّ ، وبأن طريق الباطل والشرّ واضح وجليّ . وقد يدلّ ارتفاعهما على حاجة سالك كلّ منهما إلى كدح ومكابدة . أمّا طريق الحقّ والخير فهو محفوف بالمكاره ، على مراحله طوال عمر سالكه في مسيرة حياته ، ليظفر في نهاية المسيرة بالسّعادة الخالدة ، والنّعيم المقيم ، والمجد العظيم ، وقد انبثت في هذا الطريق عقبات ابتلائيّة يطالب سالكه باقتحامها ، ليظفر بالسعادة الخالدة . وأمّا طريق الباطل والشّرّ فهو محفوف بالشهوات والأهواء والمغريات والمزالق ، وغايته عذاب وشقاء ، وخيبة دائمة ، وحسرة وندم . وفي بيان هدايته إلى هذين الطريقين إشارة إلى الغاية من خلقه ، إذ هو مزوّد بقدرات على العمل والكسب في الحياة الدنيا ، وبأدوات إحساس توصله إلى مشاهدة بعض آيات اللّه في كونه ، وبقدرات فكريّة علميّة ، ومشاعر وجدانيّة يدرك بها الحقّ والباطل ، والخير والشّرّ ، والصّلاح والفساد ، والنافع والضّارّ ، والمؤلم والسّارّ ، إلى سائر ما في نجدي الحياة المتضادّين ، مع ما هو مزوّد به من إرادة حرّة في اختياراتها . هذه الغاية من خلقه هي ابتلاؤه وامتحانه في ظروف الحياة الدنيا ، وكشف اختياراته بإرادته الحرّة ، الّتي يستخدم بها مسخّرات اللّه له في ذاته ، وفي الكون من حوله . وإذ جعل اللّه الإنسان مخلوقا ممتحنا في ظروف هذه الحياة الدّنيا ، وجعله لذلك محاطا بالوسائل الّتي تستدعي منه أن يكابد في حياته ألوان المشقّات والمتاعب ، وأن يكون كادحا عاملا كادّا . فقد جعله ممكّنا من أن يسلك باختياره الحرّ نجد الخير ، ذي النهاية المسعدة له ، وأن يسلك باختياره الحرّ نجد الشّرّ ، ذي النّهاية المشقية له .