وجاء هذا الإسقاط بأسلوب طرح سؤال على أهل العقل والرّشد ، ومن شأن هذا السؤال أن يستدعي إجابة توصل لوازمها الفكريّة إلى إقامة الحجّة عليه ، وإثبات نقيض توهّمه ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ( 7 ) أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ
( 9 ) .
والجواب التلقائي يكون بكلمة « بلى » فقد جعل اللّه له عينين يرى بهما ، ضمن حدود القدرة على الرؤية الّتي منحه اللّه إيّاها ، وجعل له فما ذا لسان وشفتين ، فهو ينطق به ، ويعبّر به عمّا يعلم ، في حدود اللّغة الّتي تعلّم رموزها الكلاميّة .
أي : فهل يمنحه اللّه الخالق أدوات الإبصار ، ويكون هو سبحانه فاقد البصر ، وهل يمنحه الإبصار ولا يمنح من يراقبه من الملائكة أدوات إبصار ترى أعماله ؟ !
وهل يمنحه الخالق فما ينطق به ، ويكون هو سبحانه فاقد صفة الكلام ، التي بها يناقشه الحساب ، ويفصل القضاء بشأنه ؟ ! !
وهل يمنحه الخالق صفة النّطق الذي يعبّر به عمّا في نفسه من المعاني ، ولا يمنح من يراقبه من الملائكة القدرة على النّطق والتعبير ، حتّى يشهد عليه بما اكتسب في رحلة امتحانه ؟ ! !
إنّ هذا لأمر لا يقبله من لديه مقدار قليل من الفهم السّويّ الصحيح ، فضلا عن إنسان فضّله اللّه بأدوات العلم واكتساب المعرفة ، وجعله في أحسن تقويم .
ويمكن أن نستفيد من هذا الاستفهام المطروح حول قضيّتي الرّؤية والنّطق ، نظيرا محذوفا بشأن قضيّة القوة ، التي هي القضيّة الأولى ، فيقال بجانبها : ألم نجعل له قوّة في جسمه ؟ ! ! ألم نسخّر له الأشياء في ذاته ومن حوله ، حتّى صار بها عزيزا ضمن دائرته ؟ ! ! أنمنحه ذلك ونحن لا نقدر على أخذه ، ومعاقبته على جرائمه ؟ ! ! .