غروره فيرفع عقيرته قائلا : لن يقدر عليّ أحد ، ويقول متفاخرا : لقد أهلكت مالا لبدا ، إنّه غرور يوصل أصحابه إلى جنون العظمة « 1 » .
ولمّا كان هذا التوهّم غير ذي قيمة فكريّة صالحة للرّدّ عليها ، لم يشتمل النصّ على عبارة تشير إلى إسقاطه ، فكم من دول عظمى سلفت في تاريخ الناس ، دمّرها اللّه بكفرها وفجورها ، وظلمها وطغيانها في الأرض ، بل اقتصر على بيان توهم المعبّر عن غروره منهم .
*
أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ( 5 ) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً
( 6 ) .
( 2 ) وأصحاب الغباء الحسّيّون الحمقى الذين يتوهّمون أنّ حواسّهم المحدودة الضّيلة تحيط بكلّ ما حولهم ، يتوهّمون أنّ قبائحهم وشرورهم الّتي استخفوا بها عن أعين الناس ، لم يرها أحد ممّا وراء المنظور بأعينهم ، وكذلك ما يضمرون في أنفسهم من نيّات سيّئات .
أي : فاللّه وملائكته لا يعلمون بما فعلوا في الماضي ، ولا بما يفعلون في الحال والاستقبال ، من خبائث وجرائم ، وظلم وعدوان ، وبغي وطغيان ، وفجور وعصيان ، ولا يشهدون بما علموا من أحوالهم .
وهذا التوهّم يجعلهم يجحدون قانون الجزاء الرّبّانيّ ، فلا حساب ، ولا قضاء ، ولا جزاء ، ويوم الدين أمر باطل لا صحّة له ، في تصوراتهم المعتمدة على العمى في بصائرهم .
وإسقاط هذا التّوهّم يكون بإرجاع كلّ واحد منهم إلى الإيمان بخالقه ، الذي جعل له عينين يرى بهما ، وجعل له فما ذا لسان وشفتين ينطق به .
هامش
( 1 ) ومن الأمثلة المعاصرة لهؤلاء المغترّين دول عظمى تملك القوى الذرّيّة والهيدر وجينية ذات التدمير الشامل ، وتتفاخر بميزانيّاتها الضخمة المخصصة لجيوشها وأعتدتها ، وتزعم أنّه لن يقدر عليها أحد .