أقسام متفرّقة من الذين لا يؤمنون بالجزاء الرّبّانيّ ، إذ تحجبهم أوهامهم عن إدراك براهين هذا الإيمان .
والإلماح إلى هذه الأوهام من المنهج الرّبّانيّ القائم على التتبّع التفصيليّ الدقيق للموضوع الواحد ، إذ تكون عناصره موزّعة في عدد من سور القرآن المجيد .
والتتبّع هنا المح أو أشار إلى ثلاثة توهّمات توجد موزّعة في أصناف من الناس .
( 1 ) فأصحاب القوّة والعزّة والجبروت في الأرض ، يطغى على تصوّراتهم أنّهم بلغوا من القوّة الغالبة مبلغا يحميهم من أن يقدر عليهم في دوائر نفوذهم أحد فيغلبهم ، وينالهم بشرّ أو بسوء ، كبعض ذوي القوّة العزيزة في مكّة إبّان التنزيل ، وكفرعون ونمرود والأكاسرة والقياصرة من قبلهم .
هذا صنف من الناس حين يشعر بأنّه عزيز لا يغلب ، يذكر متفاخرا أنّه قد أنفق مالا كثيرا متلبّدا بعضه على بعض ، أو أنواعا من الأموال كلّ نوع منها كثير متلبّد بعضه على بعض ، حتّى جمع حوله من الأنصار والعتاد ما يحميه مستقبلا من أيّة قوّة تواجهه لتغلبه وتتسلّط عليه ، وتصيبه بشرّ أو سوء .
وهذا التوهّم ينتفخ في نفسه انتفاخا فاسدا ، حتى يطغى على مراكز البصيرة فيها ، وعندئذ لا يبصر آيات اللّه في كونه ، ولا يسمع البيانات المنزّلات من لدنه ، ولا تعمل موازينه الفكريّة فيما خلقت له ، حتّى يميّز الحقّ من الباطل ، والخير من الشرّ . فينسى خالقه الّذي خلق السماوات والأرض ، وخلق كلّ القوى ، وأنّه هو الذي منحه القوّة ، ويسّر له سبل جمعها ، وأنّه هو الّذي سيهلكه مع الهالكين ، فمن أعجب العجب أن يدفعه
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 191
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٩١