وهو أنّه مخلوق ممتحن مبتلى في ظروف هذه الحياة الدّنيا ، والابتلاء يقتضي التّكليف ، ولا معنى للتكليف بدون مشقّة وكبد ومعاناة ، فجعل اللّه عزّ وجلّ ظروف الحياة الدّنيا كذلك ، تحيط الإنسان بالكبد ، كإحاطة الماء بالسّمك في البحر .
ولهذا فميادين الامتحانات وساحاتها لا بدّ أن تبثّ وتنشر فيها العقبات ، والمفازات ، والحفر ، والأشواك ، والمخيفات ، والشدائد . إضافة إلى مرضيات الأهواء والشهوات ومحقّقات بعض اللّذّات الممنوعة المحرّمة ، وبعض اللّذّات المباحات .
والظّفر يكون باقتحام العقبات واجتيازها ، وتحمّل المكابدة فيها والكدح ، مع كراهية النفوس لذلك ، باجتناب مرضيات الأهواء والشهوات ، ومحقّقات اللّذّات المحرّمات ، المزيّنات للنفوس ، والمحبّبات لديها .
وبهذا الامتحان الصّعب على النفوس يكتشف المقتحم الكيّس ، الذي يجتاز بنجاح ، ويستحقّ دار الكرامة ، ومقام التكريم ، بفضل ربّ العالمين الذي وضع النّاس في الحياة الدّنيا موضع الامتحان . ويكتشف العاجز المرتكس الّذي يتّبع هواه ، وتأسره شهواته ، ويكون كلّ همّه متعلّقا برغباته من الحياة الدنيا ، فيجتاز رحلة امتحانه ظالما آثما ، عاصيا مستكبرا على ربّه ، ومتمرّدا على أوامره ونواهيه ، وتنتهي رحلة امتحانه بالخيبة ، مبعدا عن دار كرامة الرّحمن ، ومقام التكريم عنده ، ومستحقّا العذاب بالعدل في دار العذاب النّار .
ولو جعل اللّه الحياة الدّنيا كلّها متاعا لا كبد فيه ولا كدح ولا متاعب ولا عقبات ، لما كانت صالحة لامتحان الإنسان فيها .
فواقع هذه الحياة الدنيا ، بما فيها من كبد وكدح على نجدين ( أي :
طريقين ) نجد الخير ونجد الشر ، هو من كمال الحكمة للغاية من خلق
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 187
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٨٧