دوافع جديدة تسوقه إلى مغامرات جديدة ، يكابد فيها آلاما ، فهو في تطلّع مستمرّ إلى الاستزادة ، وكلّما انتهى به كدحه إلى جديد ، ولذّ له ذلك الجديد ، نما في نفسه الحرص والطّمع ، فأخذ يكابد مشقّات أخرى لتحصيل مطالب أخرى للنّفس ، أو للفكر ، أو للجسد ، والعامل لدنياه يكدح من أجل الدّنيا ، والعامل لآخرته يكدح من أجل الآخرة ، وكلّ منهما في مكابدة مستمرّة ، وكدح متتابع ، وهما لا ينتهيان إلّا بموته .
هذه حقيقة مشهودة في السّلوك الدائم للإنسان ، وقد عبّر عنها المعرّيّ بقوله :
تعب كلّها الحياة فما أع * جب إلّا من راغب في ازدياد
إنّ الإنسان حريص على البقاء بدافع فطريّ غرزه اللّه في أعماقه ، فهو يتحمّل من أجل ذلك أنواعا من المكابدة والكدح الشّاقّين ، للحصول على الرّزق ، وفي مكابدته وكدحه يصطدم بعقبات كثيرات ، فإن وصل إلى ما يريد ، كابد مشقّات الحفظ والحماية من أيدي الظالمين ، وإن لم يصل إلى ما يريد ، كابد آلام الفقد والحرمان والخيبة .
هذا مثال ، وفي حياة الإنسان أنواع كثيرة أخرى من المكابدات التي يكابدها ، لتحقيق ما يتجدّد في نفسه من رغبات : فللحبّ مكابدة وكدح ، وللكراهية مكابدة وكدح ، وفي الجود مكابدة وكدح ، وفي الشّحّ مكابدة ، وفي الصّبر مكابدة ، وفي الضّجر مكابدة ، وفي الطمع مكابدة ، وفي القناعة مكابدة ، وفي طاعة اللّه والعمل بمراضيه ، وفعل الخيرات ، واجتناب المعاصي والمخالفات ، مكابدة وكدح ، وفي معصية اللّه ، والعمل بمساخطه ، وفعل الشرور ، وارتكاب الموبقات ، لإرضاء الشهوات ، مكابدة وكدح .
هكذا الحياة الدنيا للإنسان ، تكاد تكون مسالكها وطرقها مكتظّة بما يتطلّب من سالكها مكابدة وكدحا لاجتياز عقباتها ، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( البلد / 90 مصحف / 35 نزول ) :