إنّ الإنسان يمرّ في الحياة الدنيا على سلسلة من المتاعب والمشقّات الّتي يعانيها ويكابدها منذ نشأته حتّى وفاته .
ومكابدة الإنسان مقرونة بكدح لا تطول الرّاحة بعده إلا بمقدار الحاجة إلى التّزوّد بطاقة لكدح آخر .
والكدح هو العمل بتكلّف ومشقّة ونصب في كسب خير ، أو اكتساب شرّ .
لقد كابد الإنسان قبل أن يعرف نفسه كلّ عقبة حوله ، حتّى صار إنسانا فعرف نفسه .
كابدت جرثومته الأولى سباقا عنيفا بينها وبين الملايين من أمثالها وأشباهها ، حتّى استطاعت أن تشقّ طريقها إلى الحياة الإنسانيّة .
وحين تطوّرت بقضاء اللّه وقدره وخلقه فصارت جنين إنسان ، كابدت مشقّات السّجن المحدود ، والقيد المشدود ، في بطن الأمّ .
ولمّا تكامل الجنين ونضج ، وأراد اللّه عزّ وجلّ له أن يتنسّم نسيم الحياة على الأرض الواسعة ، كابد مشقّات النّفوذ من المضايق الشّديدة عند الولادة .
وما أن دبّ على ظاهر الأرض حتّى أحاطت به مشقّات أكبر حجما ، وأكثر عددا ، وأشدّ قسوة .
وكلّما تدرّج في أطوار النّموّ عظمت أمامه العقبات ، وتطلّبت منه الحياة مكابدة أعظم ، لتحصيل الرّزق ، ودفع المخاطر والآلام ، وللمسابقة والمنافسة مع النظراء ، للحصول على أكثر نصيب من متاع الحياة الدنيا .
وكلّما زادت لديه تجارب الكدح والمكابدة في مصارعة مشقّات الحياة ، واجتياز عقباتها ، ومغالبة كلّ معارضة أو منافسة ، ظهرت في نفسه
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 184
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٨٤