تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
إنّ الإنسان يمرّ في الحياة الدنيا على سلسلة من المتاعب والمشقّات الّتي يعانيها ويكابدها منذ نشأته حتّى وفاته . ومكابدة الإنسان مقرونة بكدح لا تطول الرّاحة بعده إلا بمقدار الحاجة إلى التّزوّد بطاقة لكدح آخر . والكدح هو العمل بتكلّف ومشقّة ونصب في كسب خير ، أو اكتساب شرّ . لقد كابد الإنسان قبل أن يعرف نفسه كلّ عقبة حوله ، حتّى صار إنسانا فعرف نفسه . كابدت جرثومته الأولى سباقا عنيفا بينها وبين الملايين من أمثالها وأشباهها ، حتّى استطاعت أن تشقّ طريقها إلى الحياة الإنسانيّة . وحين تطوّرت بقضاء اللّه وقدره وخلقه فصارت جنين إنسان ، كابدت مشقّات السّجن المحدود ، والقيد المشدود ، في بطن الأمّ . ولمّا تكامل الجنين ونضج ، وأراد اللّه عزّ وجلّ له أن يتنسّم نسيم الحياة على الأرض الواسعة ، كابد مشقّات النّفوذ من المضايق الشّديدة عند الولادة . وما أن دبّ على ظاهر الأرض حتّى أحاطت به مشقّات أكبر حجما ، وأكثر عددا ، وأشدّ قسوة . وكلّما تدرّج في أطوار النّموّ عظمت أمامه العقبات ، وتطلّبت منه الحياة مكابدة أعظم ، لتحصيل الرّزق ، ودفع المخاطر والآلام ، وللمسابقة والمنافسة مع النظراء ، للحصول على أكثر نصيب من متاع الحياة الدنيا . وكلّما زادت لديه تجارب الكدح والمكابدة في مصارعة مشقّات الحياة ، واجتياز عقباتها ، ومغالبة كلّ معارضة أو منافسة ، ظهرت في نفسه