شدّته ومشقّته . قال اللّيث : الرّجل يكابد اللّيل ، إذا ركب هوله وصعوبته .
ويقال : كابد الأمر مكابدة وكبادا ، أي : قاساه . واسم الفاعل منه « كابد » على غير قياس فعله .
ولفظ « الإنسان » عنوان لكلّ خصائصه الّتي ميّزه اللّه بها ، وخصائص الإنسان وصفاته دليل على الحكمة من خلقه في ظروف الحياة الدّنيا ، وهي حكمة الامتحان ، والامتحان يقتضي عقبات يطلب من الممتحن أن يقتحمها حتى يظفر بالنجاح الأسمى ، أو بدرجة من درجات النجاح على مقدار ما اقتحم من عقبات وضعت له في امتحانه .
والامتحان يستلزم عقلا الحساب ، وفصل القضاء ، ثمّ الجزاء ، وهذا يأخذ بيد المتفكّر الّذي يتنقّل مع اللّوازم الفكريّة إلى أن يصل إلى الإيمان بيوم الدين .
وقد أبرز النّصّ من ظروف الامتحان الّتي وجد الإنسان فيها أنّه مخلوق في كبد ، فالكبد محيط به من كلّ جوانبه ، منذ ميلاده عابرا رحلة حياته في هذه الدنيا ، حتّى وفاته .
إنّ الإنسان مضطر في هذه الحياة أن يتحمّل مكابدة الشدائد والمشقّات ، وأنواع الضيق والمزعجات ، وأن يكون كادحا في كثير من أوقاته ، ليدفع عن نفسه المخاطر والآلام ، ويجلب لنفسه أسباب العيش ، وبعض اللّذّات ، يدفعه حلو الأمل في أن يحقّق لنفسه بالكدح الشّديد مختلف لذّات الحياة ، وأنواع متاعها .
ومن الناس من تلتهب في داخل نفسه نار الشوق الحامية ، لانتهاب اللّذات ، وتحقيق الرّغبات ، طمعا في الظفر بالسّعادة الّتي لا مطمع في الظّفر بها في ظروف الحياة الدنيا ، دون منغّصات كثيرات ، ومكدّرات ومقلقات جسيمات .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 183
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٨٣