تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
الثاني : التنبيه على أن المشركين استحلّوا الحرمة العظيمة لهذا البلد ، بإيذاء رسول اللّه فيه ، واضطهاد الذين آمنوا به واتبعوه . فعبارة
بِهذَا الْبَلَدِ
في الآية الثانية تشعر بعظم حرمته ، بعد تعيينه وتمييزه في الآية الأولى ، فالمعنى : وأنت رسولي العظيم حلّ بهذا البلد العظيم الذي لا يجوز أن يكون أحد من الناس العاديّين فيه حلّا . فكيف برسولي العظيم ؟ ! والخطاب في هاتين الآيتين موجّه للرّسول بصريح العبارة ، لكنّ القضيّة الّتي يراد تأكيدها مسوقة لإقناع المكذبين بقانون الجزاء الرّبّاني ، وبيوم الدّين ، فهم المعنيّون بمضمون الخطاب ، وبما أنّ هؤلاء المعنيّين إبّان التّنزيل قد استحلّوا حرمة البلد الحرام ، إذ جعلوا رسول اللّه فيه حلّا لهم ، يسدّدون إليه سهام إيذاءاتهم ، فالقسم بهذا البلد لا يؤثّر في نفوسهم لتأكيد القضية المسوقة لإقناعهم ، وهذا المعنى يلائمه أن لا يقسم اللّه بهذا البلد . غير أنّ هذا البلد ذو حرمة عظيمة ، فهو لهذه الحرمة يستحقّ أن يقسم اللّه به . ففيه أوّل بيت وضع للناس ، وكان موقعه أوّل ما برد من قشرة الأرض على ما ورد في بعض الأخبار ، وما من نبيّ إلّا حجّ إليه ، وهو بلد ذو حرمة عظيمة في نفوس العرب جميعا ، منذ عهد رسول اللّه إسماعيل عليه السّلام ، ثم إنّ ذكريات بناء إبراهيم له مع ولده إسماعيل عليهما السّلام بأمر اللّه ، باقية متداولة في العرب عبر أجيالهم . ومراعاة لاقتضاء القسم بهذا البلد وعدم القسم به معا ، قال اللّه عزّ وجلّ
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ
( 1 ) وأبان اللّه سبب هذا الإجراء بقوله خطابا لرسوله :
وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
( 2 ) وفي هذا تكريم عظيم للرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أي : ولو لم تكن حلّا بهذا البلد لكانت العبارة المناسبة : أقسم بهذا البلد . *
وَوالِدٍ وَما وَلَدَ
( 3 ) أي : وكلّ والد ، وكلّ ما ولده كلّ والد من أنسال ، في كلّ الأحياء المتوالدة حتى الحشرات وما دونها .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 181 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني