تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
* فمن المفسّرين من قال : « لا » زائدة ، والتقدير « أقسم » . * ومن المفسّرين من قال : « لا » نافية لكلام مقدّر ، وليس النفي مسلّطا على القسم . * ومنهم من قال غير ذلك . ولم أجد لأقوالهم في هذا مستندا من بيان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم . ولم ينقل أحد أنّ أحدا من العرب الّذين لم يستجيبوا لدعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم اعترض على هذا الأسلوب البيانيّ الذي يذكر فيه القسم مسبوقا بأداة النفي « لا » فدلّ على أنّهم لم يجدوا فيه شيئا خارجا عن أساليب البيان البليغ . وقد سبرت بأناة معاني النصوص الّتي جاءت فيها صيغة
لا أُقْسِمُ
فظهر لي بفتح من اللّه الوهّاب ، أنّها أسلوب مبتكر ، أدرك قيمته فصحاء العرب ضمن ما أدركوا من عناصر إعجاز القرآن ، فأحجموا عن معارضة سور القرآن بخطب أو مقالات أو رسائل أو غير ذلك ، لشعورهم بالعجز عن أن يأتوا بمثله . هذا الأسلوب البيانيّ المبتكر
لا أُقْسِمُ
قد روعي فيه اقتضاءان متعارضان : الاقتضاء الأول : يستدعي البيان البليغ معه القسم المؤكّد للخبر الّذي هو المقسم عليه ، والذي قد يتأثر به أولو الألباب . الاقتضاء الثاني : يستدعي البيان البليغ معه ، أنّه لا فائدة من القسم ، بالنسبة إلى المقصودين بتوجيه الخطاب إبّان التنزيل . فكان الحلّ المبتكر في أساليب البيان القرآنيّة ، مراعاة الاقتضاءين المتعارضين معا ، باختيار ذكر القسم والمقسم به ، مع سبقه بأداة النفي « لا » وإتباعهما بالمقسم عليه .