تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
فالوجه الّذي اقتضى القسم روعي حاله بذكر القسم والمقسم به ، تنبيها على ما في المقسم به من تأكيد للخبر المقسم عليه ، أو حجّة هادية إلى أنّ الموضوع الذي يراد تأكيده حقّ وصدق . والوجه الّذي اقتضى أنّه لا فائدة من هذا القسم ، بالنّسبة إلى المعنيّين بالخطاب إبّان التنزيل ، روعي حاله بنفي القسم . *
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ( 1 ) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
( 2 ) . المراد ب « البلد » مكة البلد الحرام ، حرسه اللّه وزاده شرفا . وجاء تعيينه باسم الإشارة « هذا » لتمييزه عن سائر بلاد الدنيا ، التي يصحّ أن يطلق على كلّ واحد منها لفظ « البلد » ولمّا كانت مكّة مهبط وحي هذه السّورة كان اسم الإشارة « هذا » الّذي يشار به إلى القريب هو الملائم الذي يفيد تعيين مكّة البلد الحرام . وكان أهل مكّة يؤمنون بالحرمة العظيمة لبلدهم ، وللمسجد الحرام فيها ، ولا سيما الكعبة المشرفة بيت اللّه فيه ، إلى حدّ أنّهم قد يقسمون به على ما ظهر لي ، لتوثيق أخبارهم ، ووعودهم ، وعهودهم . ومن تعظيمهم لبلدهم أنّهم كانوا يؤمنون من دخله ، ولا يستحلّون دمه ، ولا ماله ، ولا عرضه ، وقد عقدوا حلف الفضول لنصرة المظلوم ، وكان هذا في الجاهليّة قبل بعثة الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان الرسول قد حضره قبل بعثته .
وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
( 2 ) : أي : وأنت يا محمّد بن عبد اللّه ، ولا يمكن أن يكون الخطاب بضمير « أنت » لغيره ، لأنّه هو الّذي يوحى إليه ، وهو الذي جعله كبراء مشركي قومه حلّا ، أي : هدفا ، وفي هذا تكريم وتسلية للرسول . وجاء لفظ البلد هنا مذكّرا ، وهو أحد وجهين عربيّين له ، إذ يجوز أن يؤنث .