أقول :
لدى التأمّل بتدبّر عميق نلاحظ أنّ الممتحنين المكلّفين في الحياة الدّنيا ، قد أعطاهم اللّه جلّ جلاله حرّيّة الإرادة ، التي يختارون بها ما يشاءون من طريق الخير ، أو مسالك الشرّ ، وسخّر لهم في ذواتهم وفي الكون من حولهم الأشياء ، والقوى التي ينفّذون بها مراداتهم ، ما لم تتعارض مع قضاء اللّه وقدره العامّ ، فهم يشعرون بأنّ مصائر مطالب نفوسهم بأيديهم .
لكنّهم يوم الحساب وفصل القضاء لا تكون لهم حرّيّة اختيار ، إذ كلّ ما يجري في ذلك اليوم خاضع بالجبر لسلطان ربوبيّة الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه ، وهذا مصير إليه وحده بعد رحلة التخيير والتسخير ، وقد كان الممتحن في هذه الرحلة يختار لنفسه على ما يشاء ، إذ جعل اللّه له ذلك ، دون أن يتدخّل بالجبر فيما منحه فيه التخيير .
إذن : فإلى اللّه وحده دون تدخّل إرادة المخلوق يومئذ يكون المصير ، على أنّ المصير إلى اللّه وحده يبدأ منذ انتهاء رحلة الحياة الدنيا ، وابتداء رحلة البرزخ بين الموت والبعث ، لأنّ بعض الجزاء الجبري يبدأ عقب الموت مباشرة .
قول اللّه تعالى :
يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ
( 44 ) .
في هذه الآية إضافة بيان ثلاثة أحداث أخرى من أحداث البعث إلى يوم الحساب وفصل القضاء .
الحدث الأول : تشقّق الأرض عن الّذين كانوا موتى لينبتوا منها كما ينبت الزّرع في الأرض ، دلّ على هذا الحدث :
يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ
وسبق توجيه قراءاتي :
تَشَقَّقُ
[ تشّقّق ] .
الحدث الثاني : خروجهم من الأرض سراعا ، دون إبطاء في الزّمن ،