تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
لم يكلّف أن يجبر الناس على الإيمان والإسلام ، فما هو مرسل لأن يكون جبّارا مسلّطا عليهم بالقهر ، ومكرها لهم على اتّباعه . أي : إنّهم في رحلة امتحان ، والامتحان من لوازمه العقليّة التخيير ، أمّا الجبر والإكراه والقهر فأمور تتناقض مع الامتحان والتخيير ، ولو شاء اللّه جل جلاله ذلك لسلبهم التخيير ، ولجعلهم مجبورين ، وعندئذ فلا بدّ أن يكونوا جميعا مطيعين له ، لا يعصون اللّه فيما أمرهم به ، ويفعلون دواما ما يؤمرون ، كالملائكة ، لكنهم نوع آخر ، إنهم مخلوقون للامتحان ، فهم ذوو إرادات حرّة تختار ، دون جبر ولا إكراه . *
فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ :
أي : وبما أنّك لست عليهم بجبّار مكره لهم على الإيمان والإسلام ، وقد سبق أن بلّغتهم ما أمرك اللّه بأن تبلّغهم إيّاه ، وهو ما أنزلناه عليك في نجوم التنزيل السابقة لسورة ( ق ) فإنّ وظيفتك بالنّسبة إلى هؤلاء المكذبين المعاندين ، هي التذكير بما سبق أن بلّغتهم إياه ، وهذا التّذكير توجّهه فقط لمن لم يبلغوا إلى حالة ميؤوس منها . أمّا الذين بلغو إلى حالة ميؤوس منها فلا تضع وقتك وجهدك بتذكيرهم . إنّ الميؤوس من استجابتهم لدعوتك هم الذين تدرك من تصرّفاتهم أنّهم لا يخافون وعيد اللّه بالعقاب ، بل يعاندون ويكابرون ، وأنت لا ترجو مستقبلا أن يحصل لديهم الخوف من وعيد اللّه وعقابه . هذا ما يدلّ عليه فعل المضارع
يَخافُ
أي : تشعر بأنه يخاف الآن ، أو ترجو أو تطمع بأن يخاف مستقبلا ، لأمارات خير تلاحظها فيه . وبهذا انتهى تدبر السورة على ما فتح اللّه به . * * *
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 139 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني