تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
الخطاب الرّبّانيّ يوجّه له بقوّة وشدّة ، فهو المخاطب به أوّلا ، ويجب عليه أن يؤمن به قبل سائر المكلفين أن يؤمنوا به ، ثمّ هو مكلّف أن يدعوا الناس إلى الإيمان به . وهذا أسلوب علاجيّ للإقناع بصدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أكثر نفاذا إلى عمق أفئدة مكذّبيه ، وإن أصرّوا على موقفهم عنادا ومكابرة . والمعنى الذي يومئ إليه هذا الأسلوب يمكن التعبير عنه بما يلي : استمعوا أيّها المكذّبون ، هذا رسولنا نخاطبه بهذا الخطاب الجازم الحازم بشأن بعض أحداث يوم الدّين ، تثبيتا له ، بعد أن اتهمتموه وشتمتموه . يضاف إلى هذا أنّ من أساليب خطاب الأمّة خطاب قائدها ، أو إمامها أو رسولها . فخطاب اللّه لرسوله في أمر من أمور الدّين العامّة الّتي لا خصوصيّة للرسول به ، هو خطاب لكلّ أمّة دعوته ، من استجاب ومن لم يستجب . وقد جاء في هذا البيان الرّبّانيّ بيان ثلاثة أحداث متتاليات من أحداث البعث إلى يوم الحساب وفصل القضاء . الحدث الأوّل : نداء يصدر من مكان قريب يناديه مناد بأمر اللّه ، لبعث الموتى إلى الحياة الأخرى ، وهذا النداء يصل إلى كلّ مبعوث . فهل هو نفخ الصّور النفخة الثانية ، أو هو نداء يحدث بعدها ؟ اللّه أعلم ، إذ ليس لدينا بيان عن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا ، والنّصّ يحتمل الأمرين ، دلّ عليه :
يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ .
الحدث الثاني : سماع كلّ المبعوثين صيحة النداء بالحقّ ، وهو الخروج من الأجداث ، والتوجّه لمحكمة العدل الرّبّانية ، دلّ عليه :
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ
وبهذا السّماع يحيون كما يستيقظ النائم من نومه .