الصفة الثانية : أنّه
حَفِيظٍ
أي : كثير المراقبة لأعماله الظّاهرة والباطنة ، وأوامر اللّه ونواهيه المتعلّقة بها ، وكثير الحماية لنفسه من مزالق المعاصي والآثام والمخالفات ، وكثير العناية بتغذية قلبه ونفسه وفكره ، بما ينمّي فيها الارتقاء في معارج القرب من اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، والسعادة بعبادته ومناجاته وتدبّر آياته .
كلّ هذه المعاني تدخل في عموم دلالة كلمة
حَفِيظٍ .
فالحفيظ على ماله يراقبه خوف العوارض والجوائح والمكاره ، ويحميه ويعتني به بالتنمية حتّى لا تفنيه عوارض الزّمان ، ومفنيات الأحداث مع توالي اللّيل والنهار .
ومن كان في قلبه إيمان ما ولم يكن حفيظا الحفظ الواجب ، فإنّ اللّه يدخله الجنّة دون سابق وعد ، أو يقال : هذا ما توعدون دون استحقاق عذاب قبله ، جمعا بين النصوص .
الصفة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ .
إنّه لا يخشى الرحمن بالغيب إلّا مؤمن به صحيح الإيمان .
الخشية من اللّه : خوف من عقابه مصحوب بتعظيم وإجلال وحبّ وإذعان له بالرّبوبيّة والمنّة .
واختير اسم اللّه هنا للإشعار بأنّ الخشية ليست خشية ملاحظا فيها صفة الجبار المنتقم فقط ، بل هي خشية ملاحظ فيها صفة رحمة اللّه الّتي يشمل بها عباده ، ويمنحهم بها فيوض عطاءاته وإحسانه .
والخشية النافعة هي الخشية الّتي تكون مقترنة بالغيب حتى آخر حياة المكلّف ، أي بغيب الرّحمن عن حواسّ العبد الذي يخشى ربّه ، إذ تكون خشيته نابعة من الإيمان به في عمق فؤاده ، ملاحظا عدله ورحمته معا .