« من » حرف جرّ زائد للتوكيد ، وهو هنا داخل على المبتدأ بعد « هل » .
لقد كان من الممكن أن يكون الجواب : لا لم أمتلئ ، أو : ما زال يوجد فيّ اتساع لأفواج قادمة . أو نحو هذه التعبيرات .
لكنّ هذه التعبيرات وأشباهها تعبيرات تلقائيّة مباشرة ، ليس فيها سموّ جماليّ ، لا في الصياغة ، ولا في الفكرة .
أمّا التعبير القرآنيّ المختار ، فقد كان جواب السؤال فيه ، على طريقة الإجابة على السؤال بسؤال يتضمّن الجواب على قدر السؤال ، وسؤالا زائدا فوقه يتضمّن أفكارا زائدة على الجواب المطلوب .
فقول جهنّم :
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
يشعر بأنّها تطلب المزيد ، إذن فهي لم تمتلئ . ويشعر بأنّها تتلهّف للمزيد من الذين يلقون فيها ، كجائع أو ظامئ لم يشبع من طعام أكله ، أو شراب شربه ، فيقول بتلهّف :
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ .
على هذا الوجه ينبغي أن نفهم هذا السؤال ، فهو المطابق لما جاء في الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أمّا المفهومات الأخرى فلا دليل عليها .
روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« لا تزال جهنّم تقول : هل من مزيد ؟ حتّى يضع فيها ربّ العزّة تبارك وتعالى قدمه ، فتقول : قط ، قط وعزّتك ، ويزوى بعضها إلى بعض » .
يزوى : أي : يطوى ويجمع .
وفي رواية أخرى :
« لا تزال جهنّم يلقى فيها ، وتقول : هل من مزيد ؟ حتّى يضع ربّ العزّة فيها قدمه ، فينزوي بعضها إلى بعض ، وتقول : قط ، قط . بعزّتك وكرمك .
ولا يزال في الجنّة فضل ، حتّى ينشئ اللّه خلقا فيسكنهم فضل الجنّة » .