أقول : هذا جار على قاعدة التضمين ، التي تكثر أمثلتها في القرآن المجيد ، إيجازا في اللّفظ ، إذ تغني الجملة عن جملتين ، والإيجاز في القرآن أحد عناصر الإعجاز .
وفي حلّ هذا التضمين أقول : إنّ المكذّب بيوم الدّين قد كان في الحياة الدنيا غارقا في مطالبه منها ، منصرفا عن كلّ ما سواها ، وحين تعرض عليه أدلّة يوم الدّين ، وما فيه من حساب ، وفصل قضاء ، وتنفيذ جزاء ، يكون نافرا منها ، وكلّما ذكّر بها لم يزدد إلّا نفورا . ومعلوم أنّ فعل « نفر ينفر نفورا » يتعدّى بحرف « من » .
فضمنت كلمة « غفلة » وهي مصدر يعمل عمل فعله ، معنى كلمة :
« نفور » فعدّيت تعديتها . والتقدير يكون كما يلي : لقد كنت في غفلة غارقا في متاع الحياة الدّنيا وزينتها ، نافرا من كلّ بلاغ ودليل يتعلّق بيوم الدّين ، ومن كلّ تذكير يذكّرك به .
وقد جاء في عدّة نصوص قرآنيّة استعمال مادّة « النفور » من البيان ومن التذكير ، بالنسبة إلى الكافرين المصرّين على كفرهم ، فتقدير النفور يلائم الاستعمال القرآنيّ في مواضع أخرى .
النّفور : هو الإعراض والصّدّ والابتعاد ، كحالة المذعور الشارد ، أو المتمنّع المتراجع بحران .
*
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ :
كلام صادر عن اللّه عزّ وجلّ مستعمل فيه ضمير المتكلّم العظيم ، وموجّه لمن كان في الحياة الدنيا مكذّبا بيوم الدّين .
أي : فكشفنا اليوم عنك الغطاء الّذي كان يغشّي على مداركك وبصيرتك في الحياة الدّنيا ، وهو غطاء الأهواء والشهوات والتّعلّق بمتاع الحياة الدنيا وزينتها ، عند مشاهدتك أحداث يوم القيامة ، وبقطع مطامعك التي كانت موصولة كلّها بالحياة الدنيا ، ومنحصرة فيها .