تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
ونستطيع بالتأمّل الاستنباطيّ أن نفهم أن السّائق هو الملك القرين الّذي كان في الحياة الدّنيا مأمورا بكتابة الحسنات ، وهذا لم يسمّه اللّه شهيدا ، لأنّه كان يدوّن الحسنات ، وتكفي الإنسان ، كتابة الملك الشّاملة لحسناته ، ويكفيه قبل ذلك وفوقه علم اللّه ، واللّه لا يحتاج لمن يشهد له أو عليه . أمّا الشهيد فهو الملك القرين الذي كان في الحياة الدنيا مأمورا بكتابة السّيّئات ، ولمّا كان الإنسان أكثر شيء جدلا كان حاله يتطلّب من يشهد عليه بما جنى من سيّئات في الحياة الدّنيا . اللّقطة الرابعة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
( 22 ) .
فِي غَفْلَةٍ :
أي : منغمسا في غفلة ، إذ الغفلة محيطة بك إحاطة تامّة ، والخطاب يوجّه لمن كان يكفر بيوم الدّين ، فهو الذي كان في الحياة الدّنيا منغمسا في غفلة شديدة محيطة به . أي : يقال له هذا القول . الغفلة عن الشيء : هي الانصراف الحسّيّ والفكريّ عن ملاحظته ومراقبته ، مع وجوده في مجال الإدراك ، أو وجود أدلّته ، وإمكان إدراك ذلك لولا وجود الصّارف ، أو السّهو الّذي هو بمثابة إطباق الجفنين على العينين ، وما تطلب رؤيته حاضر في مجال النظر . يقال لغة : غفل فلان عن الشيء يغفل غفولا وغفلة . والمكذّب بيوم الدّين شغلته أهواؤه وشهواته في الحياة الدنيا ، فغشّت على كلّ حواسّه الظّاهرة والباطنة ، وكلّ قدراته الإدراكيّة ، فغطّتها تغطية تامّة ، ووجّهتها للذّات الحياة الدّنيا وزيناتها وأنواع متاعها الزائل . ولكن ما الحكمة من وضع حرف « من » بدل حرف « عن » في قوله تعالى :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا ؟ ؟