أي : وما الحياة الدنيا في جنب الآخرة وبالقياس عليها إلّا متاع سريع الزّوال ، وعرضة للفناء .
أمّا ما في الجنة من جزاء فسمّاه اللّه عزّ وجلّ في القرآن نعيما مقيما دائما لا زوال له .
وفي قول اللّه عزّ وجلّ خطابا للمكذبين وهم ما زالوا في ظروف الحياة الدنيا :
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ
( 46 ) بيان لإمهالهم مع إشارة ضمنيّة فيها تهديد لهم ووعيد ، إذ فيها إشعار لهم بأنّهم تحت المراقبة الدّائمة ، وبأنّ تمتّعهم بما يحبّون من الحياة الدّنيا خاضع لقضاء اللّه وقدره ، ضمن ظروف امتحانهم .
وحكم اللّه عزّ وجلّ عليهم حكما وجاهيّا خاطبهم فيه بقوله لهم :
إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ
أي : إنّكم الآن مجرمون ، ما لم تقلعوا عمّا أنتم فيه بالتوبة والإيمان والإسلام والعمل الصالح . أمّا إذا بقيتم مصرّين على كفركم وتكذيبكم على الرّغم من كلّ البيانات الإقناعيّة والتّرغيبيّة فإنّكم ستظلّون مجرمين ، وستأتون يوم الدّين مجرمين ، وينطبق عليكم أنّكم مكذّبون ، وتستحقّون الدّخول في وعيد :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 15 ) .
هذه اللّازمة المختارة لتكريرها عند مفاصل السّورة بفنّيّة بديعة .
الجرم والجريمة في اللّغة : الذّنب والتعدي . يقال : جرم وأجرم واجترم ، أي : اكتسب إثما .
المجرم : هو المذنب ذنبا عظيما ، وقد جاء لفظ « المجرمين » في القرآن عنوانا مقابلا لعنوان « المسلمين » ووصفا للكافرين الّذين أهلكهم اللّه عزّ وجلّ في الدنيا ، ووصفا للمعذبين في النار ، وهذا يدلّ على أنّ المجرمين في الاصطلاح القرآني هم الذين يرتكبون الآثام من مستوى