إرادة حرّة بالإيمان والعمل الصالح وأضدادهما ، فهو مالك محاسبتهم وفصل القضاء بشأنهم ومجازاتهم يوم الدين على اختياراتهم في الحياة الدنيا .
واختير الرّكوع دون السّجود لأنّه أدنى الخضوع المادّيّ للّه عزّ وجلّ في عبادته .
ولو جاء في الآية السجود بدل الرّكوع لكان محتملا للدّلالة على أنّهم أنصاف متكبّرين ، فهم قد يركعون ولكنّهم لا يسجدون .
إنّهم لا يكتفون باتّباع أهوائهم وشهواتهم عصاة فاجرين ، يرتكبون الآثام من الكبائر ، بل هم مستكبرون أيضا على ربّهم ، فلو لم يكن لهم شهوات بطون وفروج ، وجاه وزعامات ، ولعب ولهو ، وتعلّق بزخرف الحياة الدنيا ، وحبّ للتكاثر والتّفاخر ، لما خضعوا لبارئهم أدنى خضوع ، لأنّهم في نفوسهم مستكبرون ، وكبرهم جعلهم يرتكبون أقبح الحماقات وأخسّها .
وفي مقابلة إدبارهم وتولّيهم عن الاستجابة لدعوة اللّه لهم لما فيه سعادتهم في دنياهم وآخرتهم ، تولّى اللّه عنهم ، فتحدّث عنهم بضمير الغائبين ، الّذين لا يستحقّون مواجهتهم بالخطاب ، فقال تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ( 48 ) .
ومن حكم هذا الالتفات عن مخاطبتهم أنّ الرّكوع المطلوب منهم ، إنّما هو له سبحانه ، وهو الذي يتحدّث عنهم .
وعند هذا المفصل من السورة كان من المناسب تكرير لازمتها المختارة للتكرير العلاجي ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 49 ) .
* * *