قضاءه فيهم محسنين أو مسيئين ، ويجازيهم على ما كان منهم في رحلة امتحانهم في الحياة الدّنيا ، بالعدل إذا أساءوا وقد يشملهم بغفرانه وعفوه بمقتضى حكمته ، ما لم يكونوا من أهل الكفر به أو الشّرك ، وبالفضل إذا أحسنوا مؤمنين به وبما أمرهم أن يؤمنوا به .
ودليل هاتين الصفتين ما شهد الإنسان ويشهد دواما من آثار حكمة اللّه الجليلة ، وقدرته العظيمة ، في خلق الإنسان نفسه الذي كان ترابا ، فصار غذاء ، ثمّ صار دما ، فصار نطفة منيّ .
والتقط النّصّ من هذه الأطوار طور النّطفة من المنيّ الذي يمنى ، فيكون بدؤه في بطن أمّه من جزء صغير جدّا لا يرى بالأبصار ، ضمن النطفة الّتي تحوي من أمثاله مئات الملايين . وهذا الجزء الصغير الذي هو أحد الحيوانات المنويّة يلقّح البييضة الّتي تهبط في بطن أمّه من برجها ، في الزّمن المقدّر للّقاح ، فيتّحدان متكاملين ، ثمّ بالتنامي الصّاعد يكون علقة ، والتقط النّصّ من أطوار التنامي طور العلقة الّتي يصل إليها الجنين ، فنبّه عليه بأسلوب الاستفهام لانتزاع الإقرار بهذه الحقيقة ، فقال اللّه عزّ وجل :
أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً .
أَ لَمْ يَكُ
: أصلها « ألم يكن » . حذف النّون من فعل « يكن » المجزم لغة عربيّة ، جاء استعمالها في خمسة عشر موضعا من القرآن الكريم ، سبعة في : [ تك ] وثمانية في [ يك ] .
واسم
يَكُ
ضمير يعود على الإنسان .
نُطْفَةً
: النّطفة والنّطافة في اللّغة : القليل من الماء ، ولا فعل لهاتين الكلمتين . نطفة : خبر
يَكُ
لأنّه من الأفعال الناقصة .
والمراد بالنطفة ماء الرجل الذي هو المني ، وأطلق عليه لفظ النطفة لقلّة مقداره .