ثُمَّ كانَ عَلَقَةً
: أي : ثمّ كان الإنسان علقة . العلقة في اللّغة : قطعة من الدّم المتجمّد ، وهي في فهم الأطبّاء المعاصرين المرحلة الّتي تتحوّل إليها النّطفة الأمشاج ، فتكون شيئا يعلق بجدار الرّحم ويتشبّث فيه ، وهذه تكون محاطة بالدّم المتخثّر المتجمّد ، وفهم ما جاء في الآية على ما اكتشفه علماء الأجنّة ، هو الّذي ينبغي المصير إليه ، وفي اللّغة ما يؤيّده .
وجاء العطف بحرف العطف
ثُمَّ
للدّلالة على أنّ طور العلقة تسبقه أطوار تتلو طور النّطفة ، وهذه الأطوار تكون بين النطفة والعلقة .
وبعد التّنبيه على طور النّطفة ، وطور العلقة ، جاء في النّصّ اختيار طور الخلق فالتّسوية ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
فَخَلَقَ فَسَوَّى
:
أي : فخلقه اللّه ربّه فسوّاه . حذف فاعل « خلق » ومفعول « سوّى » إيجازا للعلم بهما .
والمعنى : فصوّر اللّه أعضاء الجنين الإنسانيّ الظاهرة والباطنة . وميّز خلق كلّ واحد منها ، ووضع كلّ جزء في مكانه المقدّر له ، فجعلها مستوية مضبوطة بضابط العدل .
التّسوية : إحكام مقادير أجزاء المخلوق المصوّر ، وجعله يتدرّج متكاملا حتّى يبلغ الغاية المقضيّة له في خطّة التكوين ، وتكون التّسوية بإعطاء كلّ شيء خلقه بالعدل ، أي : بإعطاء كلّ عضو وكلّ جزء من أجزاء المخلوق أو المصنوع من العناصر والصفات ، ما يجعله صالحا مؤدّيا وظيفته دون زيادة ولا نقصان .
وكلّ من الخلق والتّسوية لا بدّ أن يكونا مسبوقين بتقدير وقضاء في خطّة التّكوين .