العقل تستند إلى دلائل الحسّ وأماراته ، مع ما لديه من أحكام ومقاييس وموازين فطريّة فطره البارئ عليها .
السبب الخامس : أنّ الآخرة تقع في المستقبل البعيد بحسب تصوّر الناس ، مع أنّه في حقيقة الأمر قريب جدّا ، ليس بيننا وبينه إلّا عتبة الموت .
أمّا البرزخ الذي بين الموت والبعث إلى الحياة الأخرى ، فإنّ الميّت لا يحسّ بزمنه ، إذ يلغى من مشاعر الميّت الإحساس بمرور الزّمن ، ويبقى لديه الإحساس بمشاعر النّعيم إذا كان من المنعّمين السّعداء ، والإحساس بمشاعر العذاب إذا كان من المعذّبين الأشقياء ، وذلك في مراكز الشعور التي تبقى له ، في خريطة نفسه ، مع إشعاع عليها من روحه ، أو في روحه ، وليس لدينا بشيء من ذلك علم نقدّم به تحديدا واضحا ، غير أن النّعيم والعذاب في مدّة البرزخ ثابتان في النّصوص الصحيحة الصريحة ، من القرآن والسّنّة .
وإذ يلغى الإحساس بالزّمن من النّفوس والأرواح بعد الموت ، فاللّحظة والسّاعة وملايين القرون بالنسبة إلى إحساس الموتى بالزّمن سواء ، وحين يبعثون من قبورهم لا يشعرون مشاعر زمنيّة إلّا كما يشعر النائم نومة القيلولة في النهار ، يستوي في هذا الشعور من مات من أوّل النّاس ، ومن مات عند قيام ساعة الإفناء العامّ .
وهذه قضيّة تدلّ عليها في تجربات الناس حالة النوم ، وحالة الإغماء ، وحالات التخدير لإجراء العمليّات الجراحيّة ، ويدلّ عليها موت العزير ، ونوم أهل الكهف .
وقد دلّت عليها بالنسبة إلى عموم الموتى ، نصوص متعدّدة من نصوص القرآن المجيد ، ومنها ما يلي :
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 497
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤٩٧