والناس بالنظر إلى هذا الواقع الذي هم فيه يستحقّون الزجر عليه ، والرّدع عنه .
كَلَّا
: أداة ردع وزجر في معظم أحوالها ، ولهذا يجوز الوقوف عليها ، والابتداء بما بعدها .
وقد جاء هذا الردع والزجر في صدر التوجّه لخطاب النّاس ، ليعلموا أنّهم في واقع غير سويّ ، وهم يستحقّون عليه الزّجر والرّدع . ألا وهو حبّهم للدّنيا الّتي هي العاجلة ، وتركهم للآخرة الّتي هي الآجلة .
بَلْ
حرف إضراب انتقالي كما يقول المعربون الذين لا يبحثون في العمق ، لكنّنا إذا تعمّقنا في التّدبّر وجدنا أنّ كلمة
كَلَّا
الرّادعة الزاجرة ، تشعر بأنّ النّاس يتّخذون لأنفسهم ذرائع ومعاذير تصرفهم عن السّعي للآخرة ، وتجعلهم يوجّهون اهتماماتهم للحياة الدّنيا وزينتها ، وذرائعهم ومعاذيرهم باطلة ، يدرك بطلانها أولو الألباب .
فجاءت كلمة
بَلْ
للإضراب الإبطالي ، لا لمجرّد الإضراب الانتقاليّ من غرض في البيان إلى غرض آخر .
إنّ حبّ الناس للعاجلة ، بسبب نظرهم القاصر ، وتعجّلهم لاغتنام اللّذّات ، وإجابة مطالب الشهوات ، يجعلهم يتعلّقون بالحياة الدنيا وزيناتها ، ويوجّهون كلّ أعمالهم واهتماماتهم ، أو معظمها ، لنيل متاعها ، ولذّاتها وشهواتها ، فيصرفهم ذلك ويلهيهم عن الآخرة والعمل لها ، فهم وإن كانوا يؤمنون بالآخرة يتركونها ويضيّعون حقوقها ، فيخسرون كنوزها المدّخرة ، ويخسرون أنفسهم في الفاني ، لأنّهم وجّهوا له كلّ وسائلهم ، آخذين بأسبابه ، تاركين أسباب الآخرة ، فإذا ماتوا نبذتهم الدّنيا عنها ، وتوجّهت لمتعلّقين بها آخرين ما زالوا فيها أحياء .
ثمّ إذا بعثوا للحياة الأخرى وجدوا أنفسهم خاسرين ، لأنّهم كانوا قد تركوا أسبابها ، وتلهّوا عن العمل لها بالعمل للعاجلة .