ألا يستحق هذا الواقع عبارة الزّجر والرّدع « كلّا » تنبيها للغافل ، وحثّا للمؤمن العامل المقصّر على مضاعفة جهوده ومجاهدته في ابتغاء نعيم الآخرة ، ومراتبها الرفيعة في جنّات النعيم ، فضلا من الرّبّ الرحيم الكريم .
وترجع أسباب حبّ النّاس العاجلة وتركهم الآخرة إلى ما يلي :
السبب الأوّل : أنّ الدّنيا حقيقة مشاهدة مدركة بالحواسّ ، أمّا الآخرة فهي غيبيّة مستقبليّة يربط بها الإيمان .
السبب الثاني : أنّ الناس يحيون الحياة الدنيا ، ويعيشون فيها ، لحظة فلحظة ، فتشغلهم بها ، وتمتلك أحاسيسهم الظّاهرة والباطنة ، أمّا لذّاتها فيطلبون منها المزيد ، وأمّا آلامها وأكدارها فيكدحون للخلاص منها في الحاضر ، والتوقي منها في المستقبل ، وهذا ينسيهم الدار الآخرة وما فيها ، ولو كانوا يؤمنون بها ، إلّا من كان الموت واعظا له ، وكانت الآخرة حاضرة في ذاكرته بالمواظبة على تلاوة القرآن الكريم ، ولا سيما الآيات الّتي تتحدّث عن الآخرة والجنّة والنار ، وما فيهما من نعيم مقيم ، وعذاب أليم .
السبب الثالث : أنّ حركة شهوات النّاس وأهواء نفوسهم تلحّ عليهم إلى حدّ النّباح أحيانا ، ونباحها يدفعهم بقوّة إلى أن يعبّوا من لذّاتها وصنوف متاعها بلا حساب ، فهم يلهثون وراء جمع الأسباب الّتي يرون أنّها توصلهم إلى ذلك ، وهم في الغالب لا همّ لهم إلّا إرضاء أهوائهم وشهواتهم الجسديّة والنّفسيّة .
السبب الرّابع : أنّ الآخرة حقيقة غيبيّة موعود بها ، وهي غير مدركة بالحواسّ حتّى تتهيّج الأهواء والشهوات لها ، وأنّ الإيمان بالآخرة إيمان عقليّ ووجدانيّ .
ويحسن بنا هنا أن نذكّر بأنّ عقبة الامتحان الأولى في الحياة الدّنيا ، هي الإيمان بالغيب ، عن طريق برهان العقل ، ومؤيّداته الوجدانيّة ، وبراهين
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 496
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤٩٦