تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
مكتوبة ، ثمّ توسّعت الدّلالة فصارت تطلق القراءة على النّطق بما هو محفوظ في الذاكرة ، ولهذا لمّا عرض جبريل عليه السّلام على الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم في غار حراء ، عند بدء الوحي خطّا مكتوبا وقال له : « اقرأ » كان جواب الرّسول : ما أنا بقارئ ، أي : لم أتعلّم القراءة والكتابة ، فأنا لا أعرف رموز الخطوط حتّى أقرأها ، ولو قال له انطق بما أقرأ عليك لنطق متابعا له ، بدءا من المرّة الأولى الّتي قال له فيها : اقرأ . *
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) :
إنّ بيان معاني القرآن المنزّل هو القضيّة المهمّة الثالثة بعد قضيّة الحفظ على وفق التّنزيل ، وقضيّة ضبط الأداء والترتيل . وبيان معاني القرآن يشمل بيان ما اشتملت عليه دلالاته من عقائد وشرائع وأخلاق وآداب وأحكام وتكاليف ، ويشمل ما تدلّ عليه نصوصه من علوم عن الكون والماضي والمستقبل والحاضر من عالمي الغيب والشهادة ، وعن النفوس والحقائق الفكريّة المجرّدة . وفي هذه الآية تكفّل اللّه عزّ وجلّ بأن يبيّن كلّ ما اشتمل عليه القرآن من دلالات ، ولكن على التراخي ، بمقتضى دلالة حرف العطف
ثُمَّ
فيها ، وهذا يشمل الأزمنة المستقبلة ولو بعد انتهاء حياة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في الدنيا ، ففهم كامل المعاني القرآنيّة له مراحل مستقبليّة . أمّا ما يتعلّق من معانيه بمطلوب اللّه من العباد في أمور دينهم ، فقد جعل اللّه في لواحق نجوم التنزيل ، وفي بيانات رسوله للنّاس ما فيه وفاء بذلك . وأمّا ما يتعلّق من معانيه ودلالاته بأمور أخرى فقد تكفّل اللّه ببيانه بوسائل مختلفة يهدي اللّه إليها عباده في القرون المتتابعات ، ومنها اكتشاف حقائق كانت مجهولة للناس ، في السّماوات والأرض والأنفس ، عن طريق التجربات ، والملاحظات ، واستخدام الوسائل والأدوات الّتي يتوصّل النّاس