تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
كلّ هذا دلّت عليه نصوص من القرآن المجيد والسنة المطهرة . فمن بديع البيان القرآنيّ استعمال كلمة « معاذير » هنا لتدلّ على معنى الحجج الكواذب التي يحاول بها المجرم تبرئة نفسه يوم الدين ، ولتحمل معنى تشبيه هذه الحجج بالستور التي يحاول ملقيها ستر ما وراءها من عيوب ، على طريقة استخدام اللّفظ بمعنييه ، أو على طريقة التورية . وفي استخدام فعل
أَلْقى
توجيه لقبول المعنيين ، فقد استعمل هذا الفعل في القرآن في الحسّيّات وفي المعنويّات ، فمن الحسّيات :
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً
ومن المعنويّات :
أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا .
وفي استعمال كلمة
بَلِ
الّتي فيها معنى الإضراب الإبطالي ، وما في جملة :
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
( 15 ) من دلالة ، بعد بيان أنّ هذا الإنسان خبير بما قدّم وأخّر ، إذ هو :
عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
يدرك المتدبّر المتتبّع للوازم الأفكار ، أنّ هذا الإنسان لدى محاسبته وتنبيئه بما قدّم وأخّر ، يجادل عن نفسه ، لتبرئتها ممّا جنته في رحلة الحياة الدنيا ، فلا يقرّ بما جنى ، مع علمه بما جنى ، ويحاول أن يستر نفسه بالمعاذير . ففي النّصّ القرآنيّ محاذيف تقدّر ذهنا ، وقد دلّ عليها ما سبق . وبإبراز المحاذيف يمكن أن نفهم النّصّ على الوجه التالي :
يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
( 13 ) فينكر ، ويرفض الإقرار ، ويحاول أن يلقي معاذيره
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
( 15 ) لكنّه يمنع من ذلك ، فلا يؤذن له بتقديم الحجج الكواذب ، فوقت الحساب الرّبّانيّ لا يشغل باستماع أكاذيب المجرمين ، دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( المرسلات / 77 مصحف / 33 نزول ) :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ( 35 ) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ( 36 ) .