تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
لا يمكن إذا كان عاقلا ، وذا إدراك واع ، أن يكفر به مثبتا بطلانه ، بل يقول : لا أعلم . ومثله الشّاكّ في أمر ما ، الصادق في شكّه ، والباحث عن الحقيقة ، لا يمكن أن يكفر به مثبتا بطلانه ، بل يقول : أنا ما زلت في مرحلة الشّكّ ، ولم أصل إلى مرحلة الظّنّ الرّاجح ، فضلا عن مرحلة اليقين ، إيجابا ولا سلبا . فعنوان الكفر إنّما ينطبق على ذي الكفر الإراديّ ، الذي هو ثمرة وعي لما يكفر به ، وثمرة تصميم على أن يكفر به . فإن كان كفر الكافر بالشّيء نتيجة علم قائم على برهان بأنّه باطل ، فهو فضيلة يطالب بها المؤمنون باللّه وباليوم الآخر ، ولهذا فهم مطالبون دينا بأن يكفروا بالطّاغوت . وإن كان كفر الكافر بالشّيء غير ناتج عن علم قائم على برهان ببطلانه ، فهو أحد ثلاثة فرقاء : ( 1 ) فريق عالم بأنّه حقّ ، وهو يكفر به جحودا ، وهذا شرّ خلق اللّه ، ومن هذا الفريق فرعون وقومه ، وقد أنزل اللّه عزّ وجلّ بشأنهم قوله في سورة ( النمل / 27 مصحف / 48 نزول ) :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 ) .
( 2 ) وفريق شاكّ بأنّه حقّ ، وهو مع ذلك يكفر به لأنّه يرغب في أن لا يكون حقّا ، وهذا دون الفريق الأوّل في السّوء والشّرّ ، ولكن ليس له أن يكفر به لمجرّد الشّكّ ، بل عليه أن يبحث حتّى يستيقن . وإنّه ليس لقضيّة من قضايا الدّين الحقّ ضدّ أو نقيض يمكن الإيمان به بدليل مقبول في العقول ، فلا حجّة للشّاكّ إذا رفض الإيمان بقضيّة من قضايا الدّين الحقّ ، وآمن بنقيضها ، أو بضدّها ، بل يعتبر كافرا بغير حقّ .