تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
كثيرات ، تتدفّق من منابع أهوائه وشهواته ورغبات غرائزه وأنانيّاته ، ويريد أن يمارسها بملئه ، وبكلّ انطلاقاته الحرّة ، ويكره أن يكون الإيمان بالدّين وبالعقاب الرّبّانيّ وكلّ التصوّرات المتصلة بالجزاء بالعدل غصّة في حلق ممارساته الحرّة الفاجرة ، وقد حذف المفعول به ليعمّ كلّ المرادات الفاجرات . لكلّ ذلك فهو يريد الكفر بيوم الدّين ، ويريد صرف ذهنه عن كلّ تصوّراته وتصوّرات الجزاء
لِيَفْجُرَ أَمامَهُ .
لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
: أي : لينطلق في مستقبل أيّامه فاجرا منبعثا انبعاثا كلّيّا بكلّ طاقاته لممارسة شهواته وأهوائه ورغبات نفسه ، مهما كان فيها من شرّ وضرّ وتحدّ لكلّ فضيلة ، ومهما كان فيها من استهانة بكلّ واجب ، واستمراء لكلّ رذيلة وفسق وعدوان ، وظلم وبغي وطغيان . الفجور : هو الانبعاث القبيح الوقح الواسع في فعل الشّرور وارتكاب الآثام والكبائر ، وكلّ ما فيه ظلم وضرّ وبغي وعدوان ، دون وازع ولا رادع من داخل نفس ذي الإرادة ، وانبعاثه حاصل بملء سعة نفسه ، وبأوسع ما لديه من جرأة . فالإنسان الكافر بيوم الدّين عن وعي وتصميم ، على الرّغم من ظهور أدلّة الإيمان باللّه وكمال صفاته ، وأنّه أحكم الحاكمين ، وأنّه لا يمكن أن يخلق الناس عبثا ، ولا يمكن أن يتركهم سدى ، دون حساب وفصل قضاء وتحقيق جزاء ، هو ذو كفر مراد ، وكفره نتيجة خبيثة لإرادة جحود واعية منه ، ولهذا الإنسان غاية من إرادته الكفر ، وهي أن يفجر في مستقبل عمره ، فهذا المستقبل هو الممتدّ أمامه ولو كان لا يرى منه شيئا . فكشفت هاتان الآيتان مع بالغ ما فيهما من إيجاز ، الباعث النّفسيّ لدى الإنسان الكافر بيوم الدّين كفرا إراديّا تصميميّا واعيا ، فالجاهل بأمر ما
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 475 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني