وجاءت قراءة لأقسم بيوم القيامة ( 1 ) بالإثبات مراعاة لحالة من يتيقّظ ضميره ، فيدرك حكمة اللّه وعدله وضرورة تحقيق الجزاء على ما يجري من الناس في رحلة الابتلاء .
أمّا المراد تأكيده بالقسم فمحذوف دلّ عليه ما رتّب عليه من آيات جاءت بعد القسم ، إنّه قضيّة البعث للحياة الأخرى ، للحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء ، والمصير إلى جنّات النعيم بفضل اللّه ، أو إلى عذاب أليم بعدل اللّه ، أي : ليكوننّ كلّ ذلك بمقتضى الحكمة .
القضيّة الثانية :
* قول اللّه تعالى :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ( 3 ) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ( 4 ) .
انتقل البيان القرآنيّ بهذا ، إلى مناقشة الإنسان المنكر لقضيّة البعث بعد الموت للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، وهي إحدى قضايا الإيمان الكبرى ، ولم يواجهه اللّه عزّ وجلّ بالخطاب ، بل تحدّث بأسلوب الحديث عن الغائب لأنّه أدبر وتولّى عن مواجهة الحقّ الذي أنزله اللّه لهدايته .
أي : أيحسب الإنسان الكافر بيوم الدّين ، في ظنّه التّوهّميّ الضعيف ، أنّ الرّب الخالق له في النشأة الأولى ، لن يجمع عظامه بعد موته وفناء جسده ، وتفتّت ذرّات عظامه ، مستبعدا أن تستطيع قدرة الرّبّ هذه الإعادة .
أَ يَحْسَبُ
وقرئ : [ أيحسب ] بكسر السّين ، وهما وجهان عربيان لنطق هذا الفعل .
ومن استقراء فعل : « حسب يحسب ويحسب » وسبر معناه في القرآن تبيّن لي أنّه قد استعمل للدلالة على الظّنّ الضعيف جدّا ، والمساوي للتوهّم ، والذي يجب طرحه واستبعاده .