تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
اللّوم : هو العذل والتثريب وتوجيه الملاحظات النّقديّة على نقيصة أو إساءة ، دون الوصول إلى مستوى الذّمّ والشتيمة ، ففي اللّوم مع الوخز غير العنيف معنى النصح ، وهو شبيه بالعتاب . والنفس اللّوّامة « 1 » باعث فطريّ يهدي صاحب البصيرة المنصف إلى قانون الجزاء الرّبّانيّ ، وهو يأخذ بأسباب الفكر إلى الإيمان باليوم الآخر للحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء . فإيجاد النفس اللّوّامة داخل الإنسان أمر عجيب ، يستحقّ أن يقسم اللّه به ، لأنّه أمر من الخلق عظيم ، ولأنّ في القسم بها توجيه نظر فكر الإنسان لها ، لتهديه إلى قانون الجزاء الرّبّانيّ . فهذا مقتض للقسم بالنّفس اللّوّامة . لكنّ هذه النّفس اللّوّامة ضامرة هزيلة داخل منكر البعث ، فالقسم بها لا يقدّم للمنكرين تأكيدا على أنّ البعث حقّ . وهذا مقتض لعدم القسم بالنّفس اللّوّامة . فاجتمع المقتضى الإيجابي للقسم بيوم القيامة ، والقسم بالنّفس اللّوّامة ، والمقتضى السّلبي لعدم القسم بهما ، فكان الحلّ البيانيّ البديع الجامع ، هو أن يذكر القسم والمقسم به ، وأن ينفى القسم ، بأداة النفي « لا » . وهذا من روائع الأساليب البيانيّة القرآنيّة المبتكرة .
هامش
( 1 ) النّفس اللّوّامة لذاتها على إساءاتها هو الطرف الأعلى السامي منها ، ما لم تفسد بعوارض الأمراض . ويقابلها النّفس الأمّارة بالسّوء ، الّتي هي الطّرف الأسفل الشّهوانيّ منها . وتقع الإرادة المنفّذة بين الطرفين ، فإمّا أن تميل في اختياراتها إلى الطّرف الأعلى اللّوّام ، وإمّا أن تميل إلى الطّرف الأسفل الأمّار بالسّوء .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 469 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني