لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
: سبق أن عرفنا ما هو الإيلاف مصطلحا تجاريّا عند العرب ، ومعنى لغويّا .
فالمصطلح التجاريّ : يدلّ على العقد والعهد الذي يتمّ به تأمين قوافل التّجّار والسّلع التجارية ، الّتي تمرّ وتتنقّل في أراضي وبلدان الذين تمّ معهم التّعاقد .
والمعنى اللّغوي : يدلّ على محبّة الشيء ، واعتياده وملازمته والأنس به ، فالإيلاف مصدر كالإلف ، وكذلك الإلاف ، كما سبق بيانه .
وقد بدأت السّورة ببيان علّة التكليف قبل توجيه الأمر به ، وهذا فنّ بديع مبتكر في الأداء البيانيّ ، واقترن بالحديث عن الذين قد وجّه لهم الأمر ، بأسلوب الحديث عن الغائب تلطّفا بهم ، فاجتمع في النّصّ فنّان أدبيّان جميلان بليغان راقيان رائقان معجبان لمن أحسن تذوّقهما .
فمعنى السّورة بصورة عامّة موجزة هو كما يلي :
لأجل إيلاف قريش التجاريّ ، الذي يسّره لهم ربّ الكعبة المشرّفة المطهّرة ، بيت اللّه الحرام ، من أجل بيته وحرمه الذي جعله آمنا ، والّذي تمكّنوا به من محبّة واعتياد وملازمة رحلاتهم التجاريّة ، الشتائيّة والصيفيّة ، جنوبا وشمالا وشرقا وغربا ، والتي يجلبون بها أرزاقهم آمنين ، ولأجل حرصهم على عدم زوال نعمتي الرّزق والأمن عنهم ، إذا كانوا مؤمنين باللّه حقا ، فليعبدوا شاكرين ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ، لأنّهم أهل حرمه الآمن المرزوق ؛ إذ لم يجعلهم آمنين مرزوقين غيره جلّ جلاله ، وعظم سلطانه ، وسمت حكمته .
ولمّا تضمّن التّعليل في :
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ،
معنى الشّرط ، اقترن فعل الأمر الذي هو بمثابة جواب الشّرط ، بالفاء الّتي يؤتى بها عادة في جواب الشرط ، فقال تعالى :
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ