وقال ابن الأعرابيّ أيضا :
« كان هاشم يؤلف إلى الشام ، وعبد شمس يؤلف إلى الحبشة ، والمطّلب إلى اليمن ، ونوفل إلى فارس »
قال ابن الأنباريّ : « ومعنى آلف إيلافا ، هو من « يؤلفون » أي : يهيّئون ويجهّزون » .
أقول : ما ذكره ابن الأعرابيّ أبين للواقع المعهود ، مع صلة الكلمة بمعناها اللّغويّ . ويشهد لهذا ما روي عن ابن عباس ، قال : « وقد علمت قريش أنّ أوّل من أخذ لها الإيلاف لهاشم . الإيلاف العهد والذّمام ، كان هاشم بن عبد مناف أخذه من الملوك لقريش » « 1 » .
ومن هذا نستطيع أن نؤكّد أنّ الإيلاف قد صار عند القرشيّين قبل الإسلام عنوانا على هذه الوسيلة التأمينيّة الناجحة ، لرحلاتهم التجاريّة الّتي كانت تجلب لهم خيرا ورزقا واسعا ، مع أمن الطريق والدّخول إلى بلدان الدّول والخروج منها ، ذاهبين وآيبين شتاء وصيفا ، يجتازون جنوبا إلى اليمن فالحبشة ، وشمالا وشرقا وغربا إلى الشام والعراق وفارس ومصر في أسفار تجاريّة واسعة ، وقد يتوغّلون حتّى الهند .
وهذا يدلّ على أنّ أهل مكّة قد كانوا تجّارا يضربون في مناكب الأرض آمنين في رحلاتهم التجاريّة ، ويتّصلون بمعظم الممالك المتحضّرة يومئذ ، ويفدون على ملوكها ، ويقدّمون لهم الهدايا ، ويعقدون معهم عهود تأمين ، وتمكين من القيام بأعمال توريد وتصدير للسّلع التجاريّة ، فكانت مكّة مركزا تجاريّا ثقيلا ، وكانت أسواق مكّة تزدحم بالتّجّار وافدين إليها من مختلف البلاد والقبائل العربية .
هامش
( 1 ) عن لسان العرب لابن منظور .