وجاء عند المؤرّخين أنّ أهل مكّة كانوا حتى ظهور الإسلام يستوردون من أفريقية عن طريق اليمن بتأمين ملوك حمير والنجاشيّ لهم ، وبالإيلاف الّذي عقدوه ، الرّقيق ، والصّمغ ، والعاج ، والتّبر . وكانوا يستوردون من اليمن الجلود والبخّور والثياب . ويستوردون من العراق وفارس توابل الهند وطيوبها وغير ذلك ، بتأمين كسرى لهم ، والإيلاف الذي بينهم وبينه .
ويستوردون من الشّام ومصر الزّيوت والغلال والأسلحة والحرير وغير ذلك ، بتأمين قيصر لهم ، والإيلاف الذي بينهم وبينه .
وكانت القافلة التجاريّة الذاهبة الآيبة قد تبلغ قرابة ألف بعير أو أكثر ، بحمولات وأموال قد تصل إلى نحو خمسين ألف دينار أو أكثر .
وكانت رحلاتهم التجاريّة الكبرى في أغلب أحوالها مساهمات يشترك فيها كلّ ذي مال في مكّة ، ولو كان مالا قليلا ، واستمرّت هذه الرّحلات من إيلاف قريش حتّى ظهر الإسلام .
هذه الصّفة التجاريّة الّتي انفرد بها القرشيّون من بين سائر العرب ، والّتي هيّأها لهم الإيلاف ، إنّما كانت لهم بسبب كونهم أهل حرم بيت اللّه في وسط العرب ، حتّى كانت قريش تقول :
« نحن أهل اللّه ، وبنو إبراهيم ، وولاة البيت الحرام ، وساكنو حرمه وقطّانه ، فليس لأحد مثل حقّنا ، ولا مثل منزلتنا ، ولا تعرف العرب لأحد مثل ما تعرف لنا » .
وجاء في الأخبار أنّ هاشم بن عبد مناف هو الذي سنّ لقريش رحلتي الشتاء والصّيف .
وذلك أنّهم كانت تعتريهم خصاصة ، فإذا لم يجد أهل بيت طعاما لقوتهم حمل ربّ البيت عياله إلى موضع معروف ، فضرب عليهم خباء ،
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 435
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤٣٥