وقد كان لقريش إيلاف ذو امتداد واسع مع ملوك الرّوم ، وفارس ، والحبشة ، وملوك حمير في اليمن ، وقد سخّر اللّه لقريش هذا الإيلاف ، وألهم الملوك الموافقة عليه ، من أجل بلده الحرام ، وبيته المطهّر فيه ، واستجابة لدعاء خليله إبراهيم عليه السّلام ، بأن يجعل هذا البلد آمنا ، وبأن يرزق أهله المؤمنين من الثمرات ، لكنّ اللّه في استجابته لم يخصّ الرّزق بالمؤمنين ، بل جعله شاملا من آمن ومن لم يؤمن في الحياة الدنيا ، وأخّر معاقبة الذين كفروا إلى يوم الدّين ، إلّا من تقضي الحكمة إنزال العقاب العاجل به أيضا مع العقاب الآجل ، كالذين تعرّضوا للعقاب العاجل من مشركي قريش بعد بعثة الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم .
وقد صنع هذا الإيلاف لقريش سادتها بنو عبد مناف الأربعة ، وهم « هاشم ، وعبد شمس ، والمطّلب ، ونوفل » على ما نقل ابن منظور عن ابن الأعرابي ، قال : « أصحاب الإيلاف أربعة : هاشم ، وعبد شمس ، والمطّلب ، ونوفل ، بنو عبد مناف ، وكانوا يؤلّفون الجوار ، يتبعون بعضه بعضا ، يجيرون قريشا بميرهم « 1 » ، وكانوا يسمّون المجيرين .
* فأمّا هاشم : فإنّه أخذ حبلا « 2 » من ملك الرّوم .
* وأمّا نوفل : فإنّه أخذ حبلا من كسرى ( أي : من ملك فارس ) .
* وأخذ عبد شمس حبلا من النجاشي ( أي : من ملك الحبشة ) .
* وأخذ المطّلب حبلا من ملوك حمير ( أي : ملوك اليمن ) .
فكان تجّار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار بحبال هؤلاء الإخوة فلا يتعرّض لهم » .
هامش
( 1 ) مير : جمع « ميرة » والميرة : الطعام الذي يجمع للسّفر أو لأوقات الحاجة إليه .
( 2 ) حبلا : أي : عهدا .