تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
ودلالات كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه القوليّة وغير القوليّة ، هي التي يستفيد الفقهاء المجتهدون منها أوامر اللّه ورسوله ونواهيهما الإلزاميّة أو الترغيبيّة . وكلمة ( إلّا ) في الآية أرى أن نفهمها على أنّها بمعنى « لكن » ؛ لأنّ جعلها من قبيل الاستثناء يجعل الناس قسمين : إمّا مردودون لأسفل سافلين ، وإمّا ناجون ومنعّمون في جنّات النعيم بالإيمان ، والعمل الصالح ، بينما تكشف قواطع النّصوص أنّ النّار دركات ، ويخلد في دركاتها كفّار ومشركون ليسوا من أهل أسفل سافلين .

مقارنة بين ما جاء في سورة العصر وما جاء في سورة التين :

ثم إذا أجرينا مقارنة بين ما جاء في سورة « العصر » وما جاء في سورة « التين » لنجمع بين النصّين جمعا تكامليا ، فإنّا نلاحظ أنّ سورة « العصر » قد أبانت أنّ الإنسان يتعرّض دواما في حياته الدنيا للخسر ، كلّما مرّت عليه لحظة من لحظات العمر ، في نهر العصر العابر من المستقبل إلى الماضي ، والسّبب في هذا عدم محافظته بالإيمان والعمل الصالح على مرتبة التكريم والتفضيل الّتي منحه اللّه إيّاها ، إذ خلقه في أحسن تقويم ، وهيّأ له الفردوس الأعلى لتفضيله في جنّات النّعيم ، إذا هو حافظ عليه باختياره الحرّ ، في رحلة امتحانه . وأبانت سورة « التين » أنّ اللّه جلّت قدرته وحكمته قد خلق الإنسان في أحسن تقويم ، أي الذي يلائمه مسكن الفردوس الأعلى ، لكنّ فريقا من الناس اختار بإرادته في رحلة امتحانه الانحطاط في الدّرجات ، ثم في الدّركات ، إلى أحطّها ، فردّه اللّه ردّا جزائيا بعقاب أوصله إلى أسفل سافلين . ولم يكن في شيء من اختياراته مجبورا ، بل كان يملك إرادة حرّة لا مجبر لها .