واقتصر النّصّ على ذكر الدّركة السّفلى ، لأنّ فكر المتدبّر المتأنّي الذي يغوص إلى أعماق المعاني ويفتح اللّه عليه ، يدرك الرّدّ إلى ما دونها باللّزوم العقليّ ، وبدلالة سائر النصوص الدّالّة على التفاوت في الدّرجات وفي الدّركات ، بحسب الاختيارات الإراديّة للناس .
والرّدّ إلى أسفل سافلين في الصّفات النفسيّة يكون بمسخ هذه الصّفات إلى ما هو أخسّ من أخسّ البهائم والحشرات ، ثمّ إلى أخسّ من ذلك حين يكون الإنسان جحودا كنودا كفورا ، حقودا حسودا جبّارا ، قتّالا سفّاكا للدّماء ظلّاما ، عابدا للطّواغيت .
الرّدّ في اللّغة :
يأتي بمعنى « الصّرف » ، ويأتي بمعنى « الإرجاع » ، وهذا المعنى يشير إلى أنّ الإنسان لم تكن له أيّة صفة من صفات الكمال والتفضيل قبل أن يخلقه اللّه ويمنحه صفاته الّتي فضّله بها ، بل لم يكن شيئا مذكورا .
وفي قول اللّه تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
( 4 ) توجيه من اللّه جلّ جلاله للنّاس أن يدرسوا ويبحثوا بتتبّع وأناة ، ليكتشفوا عظيم منّة اللّه عليهم فيما وهبهم من صفات تكوينيّة ، نفسيّة وجسديّة .
إنّ الباحثين المتتبّعين من علماء الكون ما يزالون يتتبّعون بالدّرس والبحث والتجربات والملاحظات هذا الإنسان ، من مختلف المجالات والتخصّصات ، ويكتشفون ما فيه من عجائب الخلق وإتقان الصّنع المدهش ، وما تزال تتفتّح أمامهم مغاليق عجائب مدهشة تباعا ، كلّما واصلوا البحث والتأمّل والاختبار والتجربة والملاحظة .
إنّهم كلّما اكتشفوا عجائب جديدة بالنسبة إليهم ، تشعّبت أمامهم طرق ومجالات لم تكن في حسبانهم ، وفيها من المدهشات العجيبات ، والمتقنات الرائعات ، ما يجعلهم يتصاغرون في مداركهم ، فيؤمن مؤمنهم بالرّب العظيم الجليل ، ويسجد لسلطانه خضوعا وخشوعا .