ومن ألقى نفسه في النار بإرادته الحرّة ، أحرقه اللّه بالنّار الّتي رمى نفسه فيها ، بمقتضى قوانينه القدريّة التكوينيّة .
ومن كفر باللّه ولم يتب قبل مماته أدخله اللّه النار بمقتضى قوانينه الجزائيّة العادلة . . .
كلّ هذه المعاني يستطيع أن يستخرجها المتدبّر من القسم بمهابط الوحي ، أي : برسالات اللّه للناس ، ومن المقسم عليه الذي جاء في :
* قول اللّه تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) :
أي : إنّ هذا الإنسان الذي خلقناه بعظمة القدرة الرّبّانيّة ، محاط الأجزاء كلّها في أحسن تقويم ، نفسيّ وجسديّ ، قد كان من أفراده من أنزل نفسه بإرادته الحرّة ، واتّباعه أهواءه وشهواته ، ووساوس الشياطين وتسويلاتهم ، إذ اختار لنفسه الجحود والكفر والطغيان ، والظّلم والبغي والعدوان ، حتّى بلغ بها أحطّ الدّركات السّلوكيّة الباطنة والظّاهرة ، فعاقبناه بمقتضى القوانين الجزائيّة العادلة ، فرددناه عن مرتبة التفضيل الّتي فضّلناه بها ، جاعلين إيّاه أسفل سافلين .
وهذا يدلّ على أنّ فوقه مردودون آخرون من السّافلين ، في دركات أخفّها أولى دركات المعذّبين في النّار دار العذاب يوم الدّين ، وبينهما دركات مختلفات بحسب أحوال أهل كلّ دركة .
صيغة
أَسْفَلَ
تدلّ على من هو في أحطّ الدّركات وأخسّها ، وجمع
سافِلِينَ
يدلّ على أصناف متفاوتين متخالفين في الانحطاط والتسفّل .
ويدخل في عموم الرّدّ أيضا الخاسرون من الدرجات الرفيعة في جنّات النّعيم ، بدءا من درجات الفردوس الأعلى ، حتى أدنى درجات الجنّات ، ولكلّ مقصّر أو عاص ردّ متنازل بحسب مخالفته لشروط درجات التكريم .