أمّا الدّين الذي جاءت به الرسالات الرّبانيّة ، الّتي أقسم اللّه بمهابط وحيها ، فهو الحقّ والخير والتشريع الأقوم الأحسن ، يدرك ذلك أهل العقل والبصيرة ، ويسلّم به أهل الإيمان ، وتكشفه التجربات الإنسانيّة ، الّتي تعدّل أحكامها طلبا للأحسن والأفضل مقتربة إليه ، وتكشفه المقارنات المتجرّدات المقوّمات بإنصاف ، فكلّما جرّب النّاس الأنظمة الوضعيّة ، الّتي يضعها المقنّنون من النّاس بآرائهم ، أو بأهوائهم ومصالحهم ، وشاهدوا ما فيها من عيوب وسيّئات ومثالب ، أدرك أهل العقل والإنصاف منهم حكمة اللّه الجليلة في الدّين الذي اصطفاه للناس .
* قول اللّه تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 6 ) .
غَيْرُ مَمْنُونٍ
: أي : غير مقطوع . يقال لغة : منّ فلان الشّيء ، أي :
قطعه ، أو لا يقترن بما يشعر بالمنّة المؤذية للنفوس .
والأجر غير المقطوع هو النعيم الذي يخلدون فيه في منازلهم ودرجاتهم في جنّات النعيم ، بحسب إيمانهم وصالحات أعمالهم .
الَّذِينَ آمَنُوا
: الإيمان : هو التصديق الإراديّ والاعتراف التامّ الصحيح بأركان الإيمان السّتة وفروعها وأجزائها .
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
: العمل الصالح : هو كلّ فعل ظاهر أو باطن ، أمر اللّه به أو رسوله أمر إلزام أو ترغيب ، وكلّ اجتناب أو ترك لشيء نهى اللّه عنه أو رسوله نهي إلزام أو ترغيب .
فيشمل العمل الصالح فعل أشياء ، وترك أشياء ، ممّا يخضع لسلوك النّاس الإرادي ، في أجسادهم ، أو قلوبهم ، أو نفوسهم ، أو أفكارهم وخواطرهم الإراديّة .
أمّا ما لا يملكه الإنسان بإرادته من كلّ ذلك ، فلا يدخل في دائرة مسؤوليّته أصلا ، ولا ينسب إليه منه فعل ولا ترك .