وفي الإشارة إلى أنّ هذا الفوز فوز رفيع المنزلة عظيم ، اختير في النّصّ الإشارة إليه باسم الإشارة الذي يستعمل للبعيد ، والمراد هنا بعد منزلته في جهة الارتفاع ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ( 11 ) :
أي : فهو عالي المنزلة جدّا ، وهو الكبير أيضا ، فجمع هذا الفوز وصفين جليلين : علوّ المنزلة ، وكبر الذّات وعظمها .
هذا الفوز الكبير أعدّه اللّه عزّ وجلّ للّذين آمنوا وعملوا الصّالحات ، فجمعوا بين الإيمان القلبيّ الصادق الصحيح ، وبين العمل الصالح ، وقد دلّت النصوص المختلفة على أنّ العمل الصّالح هو المظهر السّلوكي السّويّ للإيمان المستقرّ في القلب .
( 7 ) التدبّر التحليليّ للدّرس الثالث من دروس السورة وهو الآيات من ( 12 - 16 )
[ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 12 إلى 16 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 12 ) أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 13 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 14 ) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 15 ) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 16 )
قال اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ( 12 ) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ( 13 ) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ( 14 ) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ( 15 ) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 16 ) .
* قرأ جمهور القرّاء العشرة : [ المجيد ] بالرّفع صفة للّه عزّ وجلّ ، الذي هو الغفور الودود ذو العرش .
وقرأ حمزة ، والكسائيّ ، وخلف : [ المجيد ] بالجرّ ، صفة للعرش .
وبين القراءتين تكامل في أداء المعنى المراد ، فاللّه هو المجيد ، والعرش مخلوق مجيد عظيم من مخلوقات اللّه العظمى .