فكثير من العمومات القرآنيّة محمولة على إرادة ما هو خاصّ بأدلّة من القرائن أو من نصوص أخرى .
قول اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ( 11 ) .
في هذه الآية وعد مؤكّد مشدّد للّذين آمنوا بربّهم وبرسوله ، وبما جاء به الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربّه ، ومنه القرآن المجيد ، وعملوا الصالحات ، بأنّ اللّه عزّ وجلّ قد أعدّ لهم جنّات جليلات عظيمات تجري من تحتها الأنهار .
وقد جاء هذا الوعد الكريم عقب الوعيد الّذي اشتملت عليه الآية ( 10 ) ، ومن سنّة اللّه في القرآن أن يجعل الوعد والوعيد مقترنين ، فإذا اقتضت السّوابق ذكر الوعيد ، جاء عقبه الوعد ، وإذا اقتضت ذكر الوعد جاء عقبه الوعيد ، إيثارا للعلاج التّربويّ المزدوج ، القائم على إثارة محوري الخوف والطمع في النّفس الإنسانيّة ، بعد الإقناع بالحق ، والهداية المنطقيّة للّتي هي أقوم .
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
: أي : إنّ الّذين علموا وصدّقوا واعترفوا بقلوبهم بإرادة صادقة ، مخلصة للّه عزّ وجلّ ، بكلّ أركان الإيمان الّتي جاء بها الإسلام ، دون نقض لأيّ عنصر حقّ من عناصرها ، وقد علمنا أنّ كلّ ما ثبت عن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بيقين فهو حقّ يجب الإيمان به ، وإنكاره كفر .
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
: أي : وبرهنوا على صدق إيمانهم بأعمال صالحات فيها مرضاة للّه عزّ وجلّ ، ودلّت النصوص القرآنيّة الكثيرة على أنّ ( ال ) في الصالحات هنا ليس المراد بها استغراق كلّ الصالحات الّتي أمر اللّه بها عباده المؤمنين ، بل ما يدلّ منها على صدق الإيمان ، فنقول : ( ال ) هنا جنسيّة . والمراد بها جنس الصالحات ، فيكفي لاستحقاق دخول الجنّة ولو بعد التطهير بالعذاب ، أن تكسب النّفس في إيمانها الصحيح الصادق خيرا .