ولمّا قضت حكمة اللّه عزّ وجلّ بأن تكون الحياة الدنيا حتى آخر لحظة من حياة الإنسان فيها حياة امتحان ، لزم أن يكون برنامج الخلق مشتملا على حياة أخرى يكون فيها تحقيق الجزاء ، بعد الحساب وفصل القضاء ، وهذا لا يكون إلّا بالإعادة إلى الحياة بعد الموت .
ولمّا كان إنكار المشركين لليوم الآخر قائما على توهّم صعوبة إعادة الموتى إلى الحياة بعد فناء أجسادهم ، كان من الحكمة البيانيّة التّعليميّة والتربويّة عرض قضيّتي بدء الخلق وإعادته على مستوى واحد من التكافؤ ، فالخالق الذي بدأ الخلق على غير مثال سبق ، قادر على أن يعيده بعد أن يميته ويفني جسده .
وقد جاء البيان عرضا دافعا لأوهام قد تدور في نفوس المشركين ، قبل أن تنطلق ألسنتهم بطرح شبهاتهم وجدليّاتهم حول هذا الأمر ، كقول قائلهم فيما بعد : « من يحيي العظام وهي رميم ؟ » .
* قول اللّه تعالى :
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ( 14 ) :
في بيان أنّ اللّه هو الغفور ، إطماع للمذنبين من عباده بأنّه كثير المغفرة وعظيمها ، فهو يغفر لمن آمن به حقّا ، ودعاه أن يغفر ذنوبه ، وفيه إشارة إلى أنّ كلّ عبد من عباد اللّه سيرتكب بعض الذنوب والخطايا حتما ، فهو بحاجة إلى أن يغفر اللّه له ، مهما تسامت منزلته في درجات التقوى ، فالبرّ فالإحسان ، ومهما انضبطت استقامته على صراط اللّه العزيز الحميد .
الْغَفُورُ
: صيغة من صيغ التكثير والمبالغة ، والغافر في اللّغة هو الساتر ، والمغفرة والغفران السّتر .
تقول لغة : غفر يغفر غفرا وغفرانا ومغفرة الشّيء ، أي : ستره .
فاسم اللّه « الغفور » يدلّ على أنّه جلّ جلاله كثير السّتر لذنوب عباده ، ومن لوازن هذا السّتر تجاوزه عن الذنوب ، وصيانة المذنب عمّا استحقّ من العذاب عليها ، إذا اقتضت حكمته ورحمته ذلك .